الرأي
الفراعنة ومحاربو الصحراء لتحرير القرار العربي المختطف

استئساد “بغاث” الخليج بقيادة “عقلة الأصبع” القطري

حبيب راشدين
  • 5834
  • 11

عندما يثير تسارع الإيقاع في مسار تفكيك الدول العربية قلق المفعول به من بعض العرب المنصوب عليهم، ومخاوف الفاعل الأمريكي المرفوع عنه القلم، ويتأذى فراعنة مصر ومحاربو الصحراء من تغول قراصنة الخليج، بقيادة عقلة الأصبع القطري، فلا بد أن نتوقع بداية النهاية لربيع عربي أصابه الصقيع قبل أن تتفتح أزهار خضراء الدمن فيه، ويؤتي بالمتشابه من أكله لسباع الغرب الصليبي، وبعض الضباع من علوج وأعاجم الإقليم.

 التسارع المخيف الذي تشهده الأحداث في المنطقة العربية منذ اندلاع ما يسمى بالربيع العربي، قد انفلتت أزمة إدارته من أيدي القوى الغربية والإقليمية التي كانت وراء تفجير حراكه الشعبي، وسط حالة من الانهيار المتسارع للنظام العربي الرسمي، وتدافع قوى إقليمية غير عربية، لاستعادة وصاية قديمة، كان تقسيم سايكس بيكو قد أبعدها عن الساحة، وأضعف نفوذها أو ألغاه بالكامل.
.

 قلق “المهدي” الأمريكي من “ناصبة” العرب
بعيدا عن التصريحات الرسمية، التي تثمن بكرة وأصيلا حركة التغيير، التي انتعشت منذ انطلاق الربيع العربي، تصدر من حين إلى آخر تصريحات ومواقف غربية، لا تخفي قلقها من تداعيات “الفوضى الخلاقة”، المترتبة عن بعض “الثورات العربية”. فالأمريكيون قلقون للغاية من تداعيات خروج مخزون الأسلحة الليبية عن السيطرة، وانتقالها لمجاميع “متطرفة” في اتجاه الساحل وقلب إفريقيا المضطرب، كما لا يخفي الأمريكيون قلقهم من تفكك القدرات الأمنية في تونس، ليبيا، مصر، واليمن، وقيام حالة من العجز في مواجهة موجة جديدة من العنف، قد تهدد المصالح الأمريكية والغربية.
ومع وجود رغبة أمريكية غريبة حقيقية في الإسراع باستكمال مسار الربيع العربي، بالبحث عن مخرج آمن له في اليمن، والتعويل على الجامعة العربية، وتركية في التوصل إلى الإطاحة بالنظام السوري، دون الحاجة إلى تدخل عسكري غربي، فإن الإدارة الأمريكية، ومعها بعض العواصم الأوربية، لا تخفي قلقها من التداعيات الخطيرة لمعالجةالملفات الثلاث: السوري والإيراني وملف حزب الله بالقوة، بالنظر إلى الترابط الاستراتيجي بين أطراف محوره.
الموجات المخفية للتسونامي الإسلامي

 القلق الغربي امتد أيضا إلى تبعات حصول تسونامي إسلامي في كل من تونس ومصر، وغدا في ليبيا واليمن، قد يتجاوز قدرة “الإخوان” على إدارته، مع اندفاع التيار السلفي نحو اقتطاع نصيبه من المشهد السياسي، بعد أن شرع حراك الربيع العربي أبوابه بالكامل. القلق الغربي هذا ليس مصدره “الإخوان”، لأن الدول الغربية قد اشتغلت في العمق مع قيادات الإخوان منذ سنوات، واستفادت من خدمات “العراب التركي” الذي عمل على طمأنة الطرفين، وبدد مخاوف هؤلاء، ومحاذير الطرف الآخر، لكن القلق الغربي، كان وما يزال، من التيار السلفي الراديكالي لأكثر من سبب موضوعي.
الأول: أن الغرب ظل لعقود يسوق في الإعلام الغربي صورة عدائية عن التيار السلفي “الوهابي” ويحمله المسؤولية عن تفريخ الحركات الجهادية، من أفغانستان إلى المغرب العربي، ومن البوسنة والشيشان، إلى اندونيسيا والصومال ونيجيريا، وأنه لأجل ذلك لا يستطيع تسويق خيار الانفتاح على قوى سياسية سلفية، كما نجح في تسويق خيار الانفتاحعلى التيار “الإخواني” والإسلام السياسي الشيعي في العراق، ثم في تونس ومصر.
الثاني: أن مرجعية التيار السلفي تبقى عربية صرفة، حيث أن معظم المرجعيات السلفية هي من جزيرة العرب، على خلاف التيار “الإخواني” الذي دخل في وقت مبكر في صراع مع الخطاب القومي العربي، وهو الآن يميل إلى التسليم بقيادة الأخ الكبير أردوغان.
الثالث: أن القبول بإشراك التيار الإخواني في الحكم، قد يترتب عنه إفساح ساحة المعارضة لصالح قوى إسلامية راديكالية أخرى، قد تنجح في استقطاب جزء من القاعدة الشعبية للإسلام السياسي، وتضعف الرهان الغربي على الإخوان في قيادة حكومات تتمتع بالاستقرار، بتوليفات قابلة للتسويق مع قوى غير إسلامية بدأت تظهر في مصر وتونس. 
عقلة الأصبع الخليجي يطمع في “كش ملك”
الجميع، على ما يبدو، إما كان غير ملمّ بكامل التداعيات، حين سارع بدعوات ترحيل الأحصنة النافقة في المشهد العربي الرسمي، أو أن حاجته إلى تسريع التغيير، لم تترك له خيارات كثيرة، فآثر المغامرة والمقامرة بتفكيك نظم مستقرة، خدومة، مراهنا على استشرافه من عوائد على المدى المتوسط، بإيجاد نظام سياسي وأمني بديل للنظام العربي النافق، تقوده قوى إقليمية نحو الاندماج في المنظومة الغربية الأمنية على نحو مستدام، كما نجح من قبل مع القوى اليسارية في المجتمعات الغربية.
أطراف عديدة أخرى من داخل النظام العربي، ومن أقطاب القوى الناشئة، تعاملت وتتعامل مع التغييرات الحاصلة في المنطقة بكثير من الارتجالية والتخبط، فمن جهة القوى العربية الخليجية، التي لعبت دورا “رياديا” في التحريض الإعلامي، والتجنيد الدبلوماسي، والضخ المالي واللوجيستي لثورات “الربيع العربي” لا يبدو أنها قد أخضعت خياراتها لحسابات دقيقة، أو تحرت كثيرا في مفردات لوح الربح والخسارة، وهي لأجل ذلك تبدو أكثر الأطراف إلحاحا على إحداث التغييرات المبرمجة بأكبر سرعة ممكنة، مثلها كمثل لاعب شطرنج مبتدئ، وقد تعقدت عليه اللعبة، فتراه يحرك القطع بلا روية بحثا عن كش ملك ممتنع في الأصل عن المبتدئين، أو لأنه يريد أن يستبق لحظة إنهاء اللعبة، معولا على الحظ وحسن الطالع، وعلى حكم حليف محابي، قد يحميه من أخطائه كيفما كانت نتيجة المنازلة.

.

 تبرم ثوار بلا عقل من صلافة حمالة “العُقًال”
الأشقاء في الخليج دخلوا بهذا الدور المتقدم في ضرب الاستقرار داخل دول شقيقة، والعبث بأرواح عشرات الآلاف من الأبرياء، دخلوا في مقامرة خطرة بمستقبلهم كأنظمة، ومستقبل دولهم وشعوبهم، وقد افتضح دور “الخادم المنفذ” لدول بحجم عقلة الأصبع، مثل قطر، والإمارات، والكويت، والأردن، وباتت كثير من الشعوب العربية في المغرب والمشرق لا تميّز بينها وبين الكيان الصهيوني، وقد تجد نفسها في الغد القريب قد تقطعت بها الأسباب، وانقطعت عنها صلة الرحم مع بقية العرب، حين يأتي عليها الدور، وينقلب عليها الحليف الأمريكي الغربي بأكثر قسوة مما فعله مع الحليف والخصم.
ولأن إمارات الخليج هي الحلقة الأضعف داخل الحلف المركب لتفكيك النظام العربي، فإنها كانت أول من توجهت إليه التهم والانتقادات من قبل الأطراف الخاسرة من الربيع العربي، أو من نتائجه الأولية عند بداية توزيع تركة النظم الساقطة، ومن ذلك معارضة شريحة واسعة من “ثوار” تونس لزيارة أمير قطر، واتهام قطر بالتدخل الفاحش في الشأن التونسي، كما لا تخفي معظم الأحزاب المصرية من خارج الإخوان نفس الامتعاض من الدور القطري والتركي لصالح الإخوان، ومن نظيره السعودي لصالح السلفية، واستياء الجميع من النشاط الخليجي داخل البورصة المصرية، التي “فر” منها الاستثمار الخليجي، في محاولة لإضعاف الحكومة المنتخبة القادمة، وإجبارها غدا، كيف ما كان لونها، علىدخول بيت الطاعة للفاعل الأمريكي من ألعن أبوابه.
 تجاوز “وقيعة” أم درمان لاستعادة دور أم الدنيا

 القلق أمتد إلى دول نجت حتى الآن من “الحراك الشعبي” لهذا السبب أو ذاك، مثل الجزائر والمغرب، ومعها مراكز نفوذ داخل النظم التي أسقط فيها الرأس، وعفت الثورة فيه على الجذع والأطراف مثل مصر وتونس. فالدول الثلاث مصر، الجزائر والمغرب، قلقة للغاية من اختطاف دول الخليج للقرار العربي، في ما يشبه القرصنة الموصوفة، وحتى وإن لم تجاهر بالقلق، فقد برز على خلفية الملف السوري باكورة تقارب بين الدبلوماسية الجزائرية والمصرية، ومعها لأسباب أخرى انقلاب في الموقف العراقي واللبناني واليمني، كما تحرك قطار إخراج العلاقات الجزائرية المغربية من غرفة الإنعاش، وربما بداية تحريك قطار المغرب العربي المعطل منذ ثلاثة عقود.
قد يكون الوقت مبكرا لعقد آمال كبيرة، سواء على التقارب الجزائري المصري في الملف السوري، أو حيال النفس الجديد المتصاعد في العلاقات الجزائرية المغربية، ومعها ظهور فرصة لانبعاث الإتحاد المغاربي، بدافع إعادة التوازن إلى الجامعة العربية التي اختطفتها دول مجلس التعاون الخليجي، وحولتها إلى مطية يركبها مشروع الشرق الأوسط الأمريكي الكبير. غير أنه ليس عصيا على الفهم، أن تنتبه دول بحجم الجزائر ومصر والمغرب، بثقلها الديموغرافي الذي يزيد عن نصف تعداد الشعوب العربية، وتحتل قلب

وجناحي شمال إفريقيا، الذي يشكل ثلثي العرب
مساحة وتعدادا، أن تنتبه إلى تبعات قرصنة الدول الخليجية للقرار العربي، وتجييره لصالح مشروع أمريكي غربي صرف، قاتلللوجود العربي ولوجدانه، يعيد الشعوب العربية إلى زمن الوصاية التي تسبق عادة الاحتلال.
 نفخ القاصر في قربة “المغاربي” المتصاغر
وإذا كانت الدوافع عند الطرف الجزائري معلومة، واستياؤها من تنامي تفرد دول الخليج بصياغة القرار العربي قد سبق اندلاع الربيع العربي، فإن الموقف المصري من الملف السوري، لا يفسر إلا بتنامي مخاوف حقيقية عند قادة المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية، الوريث الفعلي لحكم مبارك، من تغول خليجي مفرط، واستئساد فاضح يستقوي بالدعم الأمريكي الغربي، قد لا يتوقف عند حدود اختطاف القرار العربي داخل الجامعة العربية، وتجييره للأجندات الغربية، بل قد يمتد إلى اللعب في المشهد السياسي الداخلي لما بعد “الثورة”، وأن تحجيمه يبدأ حتما بإعادة التوازن على مستوى الجامعة العربية بين دول الخليج ودول شمال إفريقيا، كما يحتاج إلى إعادة ترميم العلاقات الجزائرية المصرية، والجزائرية المغربية، وأنه يوجب على الدول الثلاث القفز على بؤر الخلافات البينية كيفما كانت، أو على الأقل تطويقها، قبل البدء في إشعار الأشقاء في الخليج بواجب الخروج الفوري من هذا المسار المقامر المغامر، الذي يتجاوز أحجامهم وقدراتهم الذاتية على التعامل مع تداعياته الخطيرة، ما ظاهر منها وما باطن، ليس أكثرها خطورة قرب تفجير وتفكيك الجامعة العربية، والدفع بدول شمال إفريقية إلى البحث عن فضاء تضامني آخر، يدير ظهره للجزيرة العربية والشام، ويحرر شعوب شمال إفريقيا من تبعات التكالبالدولي والإقليمي على المنطقة. البحث عن جامع لشتات مغاربة العرب

 إلى غاية إسقاط مبارك والعفو عن قواعد النظام، لم تكن جميع هذه الأطراف قلقة فوق ما ينبغي من تداعيات الربيع العربي، لكن النهاية المأساوية للحراك في ليبيا، المفتوحة اليوم على أكثر من مجهول، ثم الاقتراب من برميل البارود المتفجر في سوريا، قد أنتج حالة من الهلع والخوف عند الفاعل والمفعول بهم على السواء. وحده أمير “عقلة الأصبع” القطري مازال يتحرك في جميع الاتجاهات، وكأن قطر باتت دولة عظمى، أو هكذا شبه لأميرها وألبس عليه، كما ألبس على التركي أردوغان، الذي تجاوز خط الرجعة في ليبيا، ثم قطع نهر “الروبيكان” في الحالة السورية، حتى أنه جعل من إسقاط النظام السوري، بأي ثمن، قضية يتوقف عليها الأمن القومي التركي، ونصيب تركيا من النفوذ الإقليميالذي لم تكن تحلم بالعشر منه قبل أشهر.

ومن حيث لا يدري، فقد كشف لنا الطرف التركي عن البعد الدولي في ما يشهده العالم العربي، حين زعم أن ما يجري في سوريا ليس مسألة إقليمية، بل هي قضية عالمية. وهذا بلا ريب، فلتة لسان، يقترفها طرف يعلم ما لا يعلمه أمراء الخليج، لأنه كان حاضرا وشريكا في صياغة المسار الانقلابي الأمريكي على حلفائه، قبل الانقضاض على المنطقةوتمزيقها، وتسوية بنيان الكيانات العربية إلى نسخ لـ”الغراوند زيرو” ثم الشروع في إعادة بناء الشرق الأوسط الأمريكي المستسلم الآمن.

مقالات ذات صلة