استحلال الجمع بين الأختين عند ”الإخوة'' والإخوان
ما الفرق بين من كان يدعي أن “الاشتراكية خيار لا رجعة فيه” ومن يقاسمنا اليوم أن ” نظام الحكم البرلماني لا بديل عنه” ويقول بفصل السلطات في العلانية وهو مضمر لتأميمها بعد حين، سوى الاعتراف باستمرار هيمنة ثقافة الحزب الواحد، وقد تعدد في أزمنة القحط ولم يبدده ربيع العرب.
منذ اندلاع الربيع العربي اختزل الخطاب السياسي يمينا ويسارا في ثلاث جمل هي أصلا من المتشابه من مزامير الديمقراطية: جملة “الدولة المدنية” وجملة “النظام البرلماني” وأخيرا جملة “الفصل بين السلطات” ولأنها من المتشابه الذي يزداد لبسا عند التأويل، فقد أولها الجميع وفق أهوائه. فعلمنا من العلمانيين أنها “الدولة التي تفصل الدولة عن الدين” وهي عند الإسلاميين “الدولة التي يحكمها المدنيون دون العسكر” والفريقان يرفضان الدخول في التفاصيل، بحجة أن الشيطان يقبل مع التفاصيل، فحق لشيوخ التيار الإسلامي كما لأئمة القوى العلمانية، المرافعة بصوت جهوري لصالح ”الدولة المدنية” و”الفصل بين السلطات” وكأنهم على منبر الحزب الواحد.
حَوَلُ الدجال في ثقافة الحزب الواحد
ثمة مقياس لرصد ثقافة الفكر الواحد ومفرداتها، لا يكاد يخطئ، ذلك أن الفكر الأحادي يعمل في فضاء هندسي من بعدين في أحسن أحواله، بلا سمك، أو عمق، أو فوق، أو تحت، يبحث في أحوال الدول والعباد كمن يبحث عن معلم أو عن سبيل في خارطة بلا تضاريس، البداية فيها نقطة والنهاية نقطة، وما بينهما خط، لا يعنيه ما اختزل في النقطتين، ولا ما دحي بينهما.
أكثر ما يرد على اللسان عند شخوص المشهد: عبارات مستنسخة عن الجملة التي أعيبت على الإخوان: “الإسلام هو الحل” ومن قبل عند آخرين: “الاشتراكية خيار لا رجعة فيه” وعند صفوة الليبرالية: “هي نهاية التاريخ” وعند أقلهم تطرفا: “الديمقراطية هي أقل الأنظمة سوءا”.
توطين الديمقراطية بطريقة المفتاح باليد
وكلما وجدت أحدهم يقاسمك أن ما يعرضه عليك “هو الحل الأوحد” فاعلم أنك إنما تتعرض لهجمة من فكر متشبع بأحادية الأبعاد، لأن الله إنما خلق من كل شيء زوجين لتعلم أنه الواحد الأحد، لا شريك له في استئثاره بالوحدانية. وقد علمنا من العلوم التجريبية الدقيقة درسا هو لب المعرفة: أن الخلق، بجماده ونباته وحيوانه، في أصغره المتناهي في الصغر، كما في أكبره المترامي الأطراف، إنما فطر على مقياس التنوع، في الطبع، والنشأة، والمصير، وفي ما جبلت عليه الكائنات من خطط متنوعة في التوالد، والتكاثر، والتزود، والتكيف مع المحيط، وفي التنافس على الفضاء الحيوي، ثم يأتي الإنسان الذي كرم بالعقل، ليقترف، بما تضمره تلك العبارات الجامدة المتخشبة، كفرا بواحا بما أوحى به الخالق لمخلوقاته، ويسفه ما محصه العقل العلمي حين تحرر من قيود الفكر الواحد وإصره.
الفكر الأحادي يعمل في فضاء هندسي من بعدين في أحسن أحواله.. وكلما وجدت أحدهم يقاسمك أن ما يعرضه عليك ”هو الحل الأوحد” فاعلم أنك إنما تتعرض لهجمة من فكر متشبع بأحادية الأبعاد”
ما كنت لأحتاج إلى هذا الإسهاب، لو لم اصدم بذلك التوافق العجيب بين شخوص الكيانات السياسية الوافدة على مسارات الديمقراطية في دول الربيع، ومن دخل فصله من العرب من غير حاجة إلى “الجزيرة” وميادين التحرير، توافق انتقل من اعتبار الديمقراطية الغربية الموردة دون فائض قيمة محلي، كديانة مهيمنة على الدين السياسي كله، لا تحتمل المراجعة والإثراء بالتوطين، والأسلمة، والتعريب، والجزأرة، والتونسة، والتمصير، انتقل في الفصل الثاني من أصول التوحيد فيها، إلى توافق عجيب آخر بين عبادها المؤمنين: لا يرى خيارا آخر أفضل من “نظام حكم البرلمان”.
الإنجيل الذي أنسى الإسلاميين عهدهم القديم
دعونا نفكك هذا الوجه السافر من وجوه الفكر الواحد المتخفية في ثقافة الديمقراطية، ثم نسلم ابتداء أن حالة الفساد التي كانت عليها النظم الاستبدادية، وإخفاقها في تحقيق التنمية وشيء من الرفاهية، مع نجاحها الباهر في سحق الرأي المخالف، قد يسوغ التحاق القوى السياسية المعارضة بكنائس الديمقراطية، ومعابد التعددية وهي على قلب رجل واحد، قد اصطف فيها جنبا إلى جنب: الإسلامي والعلماني، وأصحاب الشمال وأصحاب اليمين، والنطيحة والمنخنقة والموقودة من القطيع الذي سلم من سكاكين التصفية، وزبانية المعتقلات.
ثم دعونا نسلم أن الفرصة لم تمنح لهذا المشهد السياسي العربي الوافد، حتى ينتج فائض قيمة للمنظومة الفكرية الغربية المهيمنة على مفردات الديمقراطية، والعمل على توطينها ودمجها في المناخ الثقافي والفكري المحلي الغالب، أو التفكير في بديل آخر أصيل، كان بعضنا يتوقعه على الأقل من التيار الإسلامي، وهو الذي غالى من قبل في تكفير الديمقراطية الغربية، ثم نراه اليوم يعتنق ما في إصحاحات إنجيلها ويتنكر لعهده القديم، حتى أن النهضة التونسية قد سلمت، وهي في الحكم، بوجوب تحريم نسخ “الآيات الشيطانية” في مزامير الفصل الأول من دستور بورقيبة وبن علي، الذي لا يقر بالإسلام كمصدر أساسي للتشريع.
خطبة بنت الصدى وهي تحكي عن سماع
لم أكن لأماري في هذا الانقلاب الحاصل عند الإسلاميين إلا قليلا، لولا أنه جاء مشفوعا باشتراك فاضح في سفسطة رواقية حول جملة من مفردات نظام الحكم، الذي ترغب كيانات المعارضة والموالاة تلبيسه للمجتمعات العربية المسلمة، وهي بين خيارين: إما أنها لا تعقل ما تقول وتردده، حالها كحال ”بنت الصدى تقول عن سماع” وتلك مصيبة، أو أنها تعي يقينا أن ما تدعيه هو محض عبث بعقول دهماء جاهلة، حديثة العهد بالثقافة الديمقراطية، فتكون المصيبة وقتها أعظم.
فمن أين لمشايخ النهضة في تونس، وإخوان العدالة والتنمية في مصر والمغرب والجزائر، ومعهم القطيع السياسي بجميع أطيافه، من أين لهم بالحجة الدامغة في ما ادعوه من أفضال للنظام البرلماني الصرف؟ هل استقوها من تاريخ الجمهورية الفرنسية الرابعة المفلسة، أم من سجل الجمهورية الإيطالية البرلمانية وهي تغير الحكومات كما يغير المرء قمصانه، أم من مملكة بلجيكا البرلمانية وقد عاشت 17 شهرا بلا حكومة؟ أم هي تجربة تداول الحزب الواحد بوجهين في مجلس العموم البريطاني، وفي أغلب دول الكومنولث، بملكة واحدة كرئيسة لست عشرة دولة.
برلمانية السلاطين وممالك البرلمانية
معظم الدول الأوروبية اختارت النظام البرلماني، بعضها يعود إلى القرن التاسع عشر مثل: المملكة المتحدة ودول الشمال الأوروبي، وهولندا، وبلجيكا، تحكمها في الغالب ملكيات دستورية، وآخرين اعتمدوا النظام البرلماني بعد الحرب العالمية الثانية مثل: اسبانيا، وألمانيا، والبرتغال، واليونان.
التوافق الحاصل بين الأحزاب حول النظام البرلماني يخفي حسابات ورهانات على الجمع بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، التي هي السمة المميزة للنظام البرلماني، على خلاف ما يدعيه القوم بشأن الفصل بين السلطات
ولك أن تلاحظ أن الاختيار لم يكن بسبب تفوق النظام البرلماني، بل لأنه كان أنسب نظام حكم للملكيات الدستورية في المملكة المتحدة ودول الشمال، وفرضه الحلفاء المنتصرون في الحرب العالمية الثانية على دول المحور: ألمانيا، وإيطاليا، واليابان، وتدافعت إليه القوى السياسية التي عانت من الحكم الفردي المستبد في اسبانيا والبرتغال، أو من حكم العسكر في اليونان.
ولأن الغاية هنا أيضا تسوغ الوسيلة، فإن نظام الحكم البرلماني ليس سوى وسيلة، وافقت حاجت الدول الملكية للحفاظ على ملوكها كرؤساء دول بلا سلطة، وفرضتها حاجة الحلفاء لقيام حكومات ضعيفة في دول المحور المنهزم، ودفع الخوف من عودة العسكر أو حكام مستبدين، بالبرتغاليين والإسبانيين واليونانيين إلى تفضيل النظام البرلماني، كما اختارته معظم دول شرق أوروبا لنفس الدوافع ولذات المخاوف.
تهافت الإخوان على الجمع بين الأختين
قد لا يسمح المجال هنا لمناقشة كل الأسباب التي تقف خلف تهافت الطبقة السياسية العربية على تمجيد النظام البرلماني، أو لاستعراض عوراته وأخطاره، لكني أتوقف حتما عند الوجه الخفي في الأولى والثانية:
ومن ذلك أن التوافق الواسع الحاصل بين الأحزاب حول النظام البرلماني يخفي حسابات ورهانات، لا يراد التصريح بها، على الجمع بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، التي هي السمة المميزة للنظام البرلماني، على خلاف ما يدعيه القوم بشأن الفصل بين السلطات، يضاف إليه عند القوى الإسلامية الوافدة على السلطة، رهان مزدوج: بشق تكتيكي ظرفي صرف، وشق استراتيجي يستشرف ما هو أبعد من انتزاع السلطة داخل القطر الواحد.
فعلى المستوى التكتيكي، ترغب القوى الإسلامية -الإخوانية تحديدا- في الإمساك بالدلو والرشا، “والتمتع بالزبد ومال الزبد” كما يقول مثل فرنسي. وأغلب الظن أنها تريد التفرد بالسلطتين معا، مع التسليم بولايتين تنفيذيتين للرئيس: الأولى على القوات المسلحة من باب طمأنة العسكر واتقاء شرهم، والثانية في الشأن الخارجي، لأسباب تختلف من دولة إلى أخرى، أهمها في الحالة المصرية الإفلات من الحرج المتوقع في إدارة ملف معاهدة ”كامب دفيد” والسفارة الإسرائيلية.
خلافة المرشد لنسيان الخلافة الراشدة
أما على المستوى الاستراتيجي، فإن الاستشراف المعقول ينبه إلى حاجة الإخوان تحديدا إلى اعتماد النظام البرلماني، بهدف إضعاف موقع الرئاسة، أو على الأقل حصر صلاحياتها كموقع سلطوي يسترضى به العساكر، فيما تتحرر الحكومات الناشئة من رحم برلمانات يسيطر عيها التيار الإخواني لتشبيك المصالح، وتوحيد التشريعات، وتقريب السياسات، تمهيدا لمشروع مسكوت عنه، يتطلع في السر إلى الدعوة لقيام نوع من الخلافة الإسلامية الدستورية قد تعهد لاحقا للمرشد، بالصيغة الاندماجية أو الفدرالية أو حتى الكونفدرالية على طريقة الكومنولث، تكون أقرب إلى ما آلت إليه الخلافة في نهاية العهد العباسي: خليفة بلا سلطة يدعى له على منابر الأعياد والجمعة، فيما تنصرف الحكومات القطرية إلى تدبير شؤون الحكم.
جانب من هذه الحسابات، الحقيقية أو الافتراضية، لا يريد الالتفات إلى ما في النظام البرلماني من عيوب وعورات ومزالق، خاصة في بلدان تشهد حالة من الاستجاعة المفرطة للسلطة، هي التي دفعت بألف مواطن مصري إلى الترشح للرئاسيات، ومشاركة أكثر من مائة حزب في التشريعيات التونسية.
نحو حكم الأكثرية بجموع القلة
الحقيقة التي لا يريد أكثرهم الخوض فيها، أن النظم الثلاثة المعتمدة في الديمقراطية تتفاوت في مستويات الفصل بين السلطات، بفصل صوري في النظام البرلماني، حيث يصدر الجهاز التنفيذي من مشكاة الأغلبية البرلمانية، وفصل مرن في النظام شبه الرئاسي، لا يتحقق إلا في حالة تعايش الرئيس مع حكومة من الأغلبية المنافسة، وهو أكثر وضوحا في النظام الرئاسي مع قدر من التداخل.
الأشقاء من إخوان مصر دشنوا ولايتهم بدمج فاضح بين الولاية التأسيسية للدستور، والولاية التشريعية وهم على الأعراف لم يدخلوا جنة الحكومة بعد، فيما زايد عليهم التونسيون بدمج جميع الولايات: التأسيسية، والتشريعية، والتنفيذية، واختيار رئيس الدولة بالتزكية
وفي الجملة فإننا أمام دجل واحتيال لا يختلف عن دجل واحتيال نظم الحزب الواحد، فلا الدولة “مدنية” صرفة، وقد رأينا رأسها في الولايات المتحدة يقود سياسة بلاده العدوانية باسم الرب تحت شعار الحرب الصليبية، وبضغط من المركب الصناعي الحربي. والحقيقة أنه ولا واحد من النظم الثلاث يحقق الفصل بين السلطات، أو يؤسس لقضاء مستقل، حتى أن الأشقاء من إخوان مصر قد دشنوا ولايتهم بدمج فاضح بين الولاية التأسيسية للدستور، والولاية التشريعية وهم على الأعراف لم يدخلوا جنة الحكومة بعد، فيما زايد عليهم التونسيون بدمج جميع الولايات: التأسيسية، والتشريعية، والتنفيذية، واختيار رئيس الدولة بالتزكية. سلطة مطلقة تعد بمفسدة مطلقة.
آمل أن تكذب توقعاتي في أقرب فرصة، واشهد، على الأقل في البرلمان القادم عندنا، فتح نقاش واسع ومتحرر من ثقافة الحزب الواحد، يجتهد في فحص وتمحيص مفردات نظام الحكم من غير موقف عقائدي مسبق، أو حسابات حزبية قد تعود بالنفع على هذا التيار أو ذاك، لكنها تعود بالويل والثبور على البلد.