استفتاءُ الشعب الصحراوي.. مساسٌ بجوهر إلهيّ؟!
من المغالطات التي يسوِّق لها أنصار الاستعمار المغربي التوسعي في المنطقة، هو الادِّعاءُ بأنّ “تقرير المصير في الصحراء الغربية ليس حقًّا مطلقًا في القانون الدولي”.
ولنفْيِ هذا الحق المبدئي عن الصحراويين، يروِّج هؤلاء لفكرة تقييده بشرطين، وهما: “عدم الإضرار بالشعوب والدول الأخرى، ثم وجود هوية جماعية متميزة جوهريّا عن الشعوب المراد الاستقلال عنها”.
وفي ضوء ذلك، يسوّغون للاحتلال القسري للإقليم الصحراوي بذريعة حماية مصالح الدولة المغربية، مع عدم “وجود هوية ثقافية أو عرقية تميز أهل الصحراء الغربية عن الهوية العربية الإسلامية الجامعة للفضاء المغاربي”.
من المستغرب، بل المؤسف جدًّا، أن تصدر تلك الآراء الشاذّة عن أهل فكرٍ، طالما تصدّروا فوق منصة الذود عن تحرر الشعوب، لكنهم يعمدون في موقفهم الطارئ إلى تجاوز حق الصحراويين في بناء دولتهم المستقلة، بدواعي وحدة الدين واللغة والجغرافيا والتاريخ والحضارة والمستقبل!
وقبل إقامة الحجة التاريخية والقانونية على وضع الاستعمار في الصحراء الغربية، نُسائل هؤلاء بكل موضوعية وهدوء: كيف نشأت مملكاتُ العرب وإماراتُهم وجمهورياتهم، خلال النصف الثاني من القرن العشرين، لتظهر دولٌ صغيرة لا يتجاوز حجم سكانها آنذاك ديمغرافيًّا وادي الذهب والساقية الحمراء؟ أم أنه حلالٌ على القطريين والبحرينيين والإماراتيين والعمانيين والكويتيين والشاميّين أن تكون لهم دولهم، بينما هو حرامٌ على الصحراويين عدم الانضواء تحت سيادة المغرب؟ ما لكم كيف تحكمون؟
ثم ماذا يفرّق شعوبَ المغرب العربي حضاريًّا، حتى تكون لكل منها دولة قائمة بذاتها، في حين يُراد للصحراويين وحدهم الإكراهُ على قبول السيادة الملكية العلوية؟
نحن لا نبارك ما نتج عن واقع “سايكس- بيكو” المشؤوم، ولسنا من دعاة تجزئة الأمة العربية، لكنّ هذه الأخيرة تشكّلت في مرحلة “ما بعد الاستعمار” على أساس الحدود القُطريّة، بل إنّ المجتمع الدولي، خاصة بالنسبة للاتحاد الإفريقي، قد كرّس الاعتراف بالحدود الموروثة عن الاستعمار، حتّى صارت ضمن مبادئ القانون الدولي في فضّ النزاعات الحدوديّة.
وقبل أن تتهيّأ ظروفُ الوحدة القومية الإسلامية الاندماجيّة من جديد، سيبقى لكل جزءٍ منها سيادتُه الإقليميّة، ولا يبرِّر ذلك، على الإطلاق، تجريد الشعب الصحراوي من حقوقه الطبيعية، للإلحاق عُنوة بمملكة وظيفية للصهيونية العالمية.
نعود الآن إلى حقيقة القضية الصحراوية من منظور تاريخي قانوني، وهي المستند الأساسي للصحراويين في رفض الاندماج تحت سلطة القصر العلوي، إذ يعلم الجميع أنّ ملوك المغرب لم تكن لهم يومًا أيُّ سيادة على إقليم الصحراء ولا ساكنيه، فهم لم يسودوا في تلك الصحاري ولا أهلها بايعوهم على الولاء، وهو ما نطقت به أيضا محكمة العدل الدولية، في قرارها يوم 16 أكتوبر 1975م، حيث جاء فيه: “إن المعلومات توضح أنّه غداة استعمارها من طرف إسبانيا، كانت الصحراء الغربية مسكونة من طرف سكان، ورغم أنهم كانوا بدوًا إلا أنهم كانوا منظمين سياسيًّا واجتماعيًّا تحت سلطة مسؤولين منهم، لهم صلاحية تمثيلهم، وتوضح تلك المعلومات أيضًا أن إسبانيا لم تبسط نفوذها على أرض من دون سيّد”.
وفي جزءٍ آخر من قرارها، أجابت المحكمة أنه “بالرجوع إلى المعاهدات الخاصة بسيادة المملكة المغربية، وكذا المعاهدات الدولية كلها، لم يتّضح وجودُ أي رابطة قانونية في تلك المرحلة بين المملكة والصحراء الغربية”.
أضف إلى ذلك، فإنَّ الحسن الثاني نفسه عرض على الموريتانيين تقاسم الإقليم، في منتصف سبعينيات القرن العشرين، ثم وقَّع على اتفاق الاستفتاء لتقرير المصير، مقابل وقف إطلاق النار مع “البوليساريو”، في بداية التسعينيات.
والسؤال المسكوت عن جوابه هو: لماذا يتنصّل المغرب من الاستفتاء الشعبي في الصحراء الغربية؟
ينبغي التوضيحُ أن خلفية تعنُّت المغرب، لا تنبع فقط من نزعاته الاستعمارية التوسُّعية، لأجل نهب ثروات الإقليم، وهو الذي طمع في موريتانيا وجنوب شرق الجزائر، بل هناك ما هو متَّصلٌ جذريًّا بـ”عقيدة ملكيّة ثيوقراطية”، حيث يتحفظ مطلقًا الملوك العلويون على المخاطرة برؤية أنفسهم، تُوجَّه إليهم الإهانة والمخازي من قبل الصحراويين الرافضين أن يُعدُّوا من بين رعاياهم، وهم الذين يدّعون أنهم أُعطوا السيادة من قبل الله وحده، فحقّ لهم ممارستها على الشعب المغربي”، وفق تعبير المجاهد الجزائري، بلعيد عبد السلام، رحمه الله، في أحد أجزاء مذكراته.
لقد كان الراحل الحسن الثاني، ومن بعد نجله، يخشى رؤية سكان المغرب ينتبهون لانتخاب الشعب الصحراوي، الرافض للسيطرة، فيطرحون عندئذ هم بدورهم مشكل شرعية السيادة التي تواصل السلالة الملكية العلوية ممارستها على الشعب المغربي.
إن أتباع العائلة العلوية الحاكمة يعتبرون أن تلك السيادة صادرة عن الله تعالى وحده، أي ذات جوهر إلهي، وبناء عليه، حسب المرحوم بلعيد عبد السلام، فهم يتصوَّرون أن كل مبادرة ذات طابع بشري، مثل الاستفتاء، والذي قد ينتهي إلى نتيجة التشكيك في هذا الجوهر الإلهي للسيادة العلوية، لا يُنظر إليها بعين الحذر فحسب، وإنما يجب إبعادها بكل حزم ورفضها رفضا قطعيًّا.
إنّ هذا الإباء يمثل السبب الحقيقي وراء تهرُّب الملوك المغاربة من تطبيق قرار الأمم المتحدة حول تقرير مصير الصحراء الغربية، ومحاولات الالتفاف عليه بكل المناورات المرحليّة الممكنة، من التقسيم إلى الاتفاق الثنائي، وصولًا إلى أطروحة الحكم الذاتي الواهية.