الأحزاب تسلم أمرها للسلطة وتستقيل من المنافسة الانتخابية
انقضى شهر ونصف على استدعاء رئيس الجمهورية للهيأة الناخبة، تحسبا للانتخابات المحلية المرتقبة في 29 نوفمبر المقبل، ولاتزال اللجنة الوطنية لمراقبة الانتخابات لم تنصب بعد، في مشهد يعكس حقيقة اهتمام السلطة والمعارضة بالاستحقاق المقبل.
وكانت لجنة الإشراف القضائي على المحليات قد نصبت يوم 24 سبتمبر المنصرم، بعد أن حافظت على رئيسها السابق، سليمان بودي، المكلف من طرف رئيس الجمهورية، ليقوم إلى جانب 311 قاضيا، بضمان توفير الرقابة القضائية على الاستحقاق المقبل .
ومعلوم أن اللجنة الوطنية لمراقبة الانتخابات التشريعية الأخيرة، كانت قد نصبت بالتوازي مع استدعاء الرئيس للهيأة الناخبة، الأمر الذي يطرح أسئلة جوهرية بشأن خلفية هذا التأخر، وفي مقدمة ذلك، لماذا تم تنصيب لجنة الإشراف القضائي، ولماذا تأجل تنصيب اللجنة الوطنية لمراقبة الانتخابات؟
وبالعودة إلى التقريرين اللذين أعدتهما اللجنتين عن ظروف إجراء الانتخابات التشريعيات السابقة، نجد أن تقرير لجنة الإشراف القضائي بارك ضمنيا النتائج التي أعلنتها وزارة الداخلية وعدّلها جزئيا المجلس الدستوري، في حين ضرب تقرير اللجنة الوطنية لمراقبة تلك الانتخابات، مصداقية النتائج في الصميم، بعد أن اتهم السلطة بالتأثير على النتائج وتغليب كفة حزبي السلطة، ممثلين في حزب جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي، على غيرهما من الأحزاب المحسوبة على المعارضة.
ومن النقاط التي أثارتها اللجنة الوطنية، المشكلة، كما هو معلوم، من ممثلين عن الأحزاب السياسية، في التقرير النهائي، عدم تجاوب الحكومة ممثلة في وزارة الداخلية والجماعات المحلية باعتبارها الجهة الوصية (إن لم يكن يتجاوزها الأمر)، مع أغلب مطالب الأحزاب، والتي من بينها إلغاء التسجيلات الجماعية للجيش الوطني الشعبي، واستعمال نظام ورقة الانتخاب الواحدة، ووضع صور رؤساء الأحزاب على الأوراق الانتخابية.. وهي من النقاط التي تعتقد الأحزاب الخاسرة في الانتخابات الأخيرة، أنها أثرت سلبا على نتائج الانتخابات، وساهمت في حصول “الأفلان” على أزيد من 200 مقعد في مشهد فاجأ حتى “الأفلانيين” أنفسهم.
وانطلاقا من هذه التجربة “المريرة”، أبدت الكثير من الأحزاب عدم تحمسها للمشاركة مجددا في لجنة مراقبة الانتخابات المحلية، حتى لا تعطي مبررا قويا للسلطة كي توظف ورقة حضور الأحزاب ومشاركتها في لجنة مراقبة الانتخابات، لصالحها أمام الرأي العام الخارجي في حال تسجيل شكوك في نزاهة الاستحقاق المقبل.
وإذا كانت جل الأحزاب الفاعلة إن لم نقل كلها، بما فيها المحسوبة على المعارضة، قد قررت إيفاد ممثلين عنها في اللجنة الوطنية لمراقبة الانتخابات المحلية، على غرار جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي، وحركة مجتمع السلم وجبهة القوى الاشتراكية وحزب العمال والجبهة الوطنية الجزائرية وحركة النهضة وحركة الإصلاح.. فإن ذلك لا يعني برأي الكثير من قادة الأحزاب التي خسرت سباق التشريعيات الأخيرة، أن مشاركتها في اللجنة سيضمن إجراء انتخابات شفافة ونزيهة، وإنما من أجل الوقوف عن قرب على التجاوزات التي يمكن أن تحدث في الاستحقاق المقبل، كما حدث في الاستحقاقات السابقة، وفضحها أمام الرأي العام، لأن المعارضة من خارج المنابر التي توفرها السلطة، كما قال رئيس الجبهة الوطنية الجزائرية، موسى تواتي، لا يمكن أن تحقق شيئا للأحزاب وللدولة معا.
والغريب في الأمر أن البرودة التي أبدتها الأحزاب السياسية في التعاطي مع الاستحقاقات المقبلة، قابلتها برودة أخرى من السلطة، غير أن برودة الأحزاب تبدو مبررة وتعبر عن يأسها من إصلاح وضع فاسد طال أمده، وهو ما يكشف ضعف أداء المعارضة في الجزائر ومحدودية آفاقها، غير أن برودة السلطة تبدو مقصودة، الهدف منها إقناع شرائح واسعة من المجتمع، ولو بطريقة غير مباشرة، بانطباع مفاده أن النتائج لا تصنعها الانتخابات بقدر ما تصنعها مخابر الحكومة، وهذا ما يعتقده الكثير من قادة الأحزاب السياسية الموجودة في موقع المعارضة.