-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
من غرض للتعليم إلى وسيلة للّعب والتباهي.. أساتذة ونفسانيّون يحذرون:

الأدوات المدرسية “المزيّنة” تُشتت انتباه التلميذ

نادية سليماني
  • 557
  • 0
الأدوات المدرسية “المزيّنة” تُشتت انتباه التلميذ

سيّارات جملية وقلوب مُلونة و”دباديب” وحيوانات من مختلف الأشكال.. إنها أشكال بعض الأدوات المدرسية المحلية والأجنبية، التي أصبح مصنعوها يتفننون في أشكالها، لدرجة تحوّل الغرض المدرسي إلى لعبة مثيرة، حيث حذر أساتذة ومختصون منها، لأنها تتسبب بحسبهم في تشتيت انتباه التلميذ وتساهم في تراجع تحصيله الدراسي، بسبب تركيزه مع اللعبة.

“من فضلكم يا أولياء.. عند شراء الأدوات المدرسية للتلميذ، اقتنوا البسيطة منها، وابتعدوا عن مبراة بشكل سيارة وممحاة على شكل دب.. والله أنا أستاذة ويُغريني مظهر هذه الأدوات ويدفعني الفضول للعب بها، فما بالك بطفل في الطور الابتدائي”.. هذه استغاثة نشرتها المعلمة “ضُحى”، التي تدرّس في الطور الابتدائي بالجزائر العاصمة، مؤكدة أن كثيرا من تلاميذها باتوا يركزون في القسم وطيلة حصة كاملة، على أدواتهم المدرسية التي تحمل شكل الألعاب، غير آبهين إطلاقا بدراستهم.

زرمان: قد تشكل عائقا تربويا وتعمق الفوارق الاجتماعية

وتتسابق المكتبات والمحلات والطاولات في الأسواق الشعبية، مع اقتراب الدخول المدرسي، على عرض أدوات مدرسية بأشكال مبتكرة، بعضها يتحول إلى ألعاب أو يتزين برسومات وشخصيات كرتونية تجذب الأطفال أكثر من الكتب والكراريس نفسها. ورغم أن هذه الأدوات تبدو في ظاهرها جذابة وسالبة للنظر، إلا أن خبراء التربية وعلم النفس يحذرون من انعكاساتها السلبية على التحصيل الدراسي، وعلى العلاقات بين التلاميذ داخل القسم.

تشتيت للانتباه داخل القسم

في جولة استطلاعية لـ “الشروق” عبر بعض محلات وطاولات بيع الأدوات المدرسية بسوق بن عمر ببلدية القبة، رصدنا وجود أقلام على شكل سيارات، وممحاة وكأنها دمية صغيرة، ودخلت محافظ مضيئة وتصدر أصواتاً، ومبراة تحمل جميع أشكال الحيوانات ومن مختلف الألوان… كلها منتجات غزت سوق الأدوات المدرسية وجعلت العائلات تتهافت على شرائها، إرضاء لأطفالها المتمدرسين خصوصا في الطوريْن التحضيري والابتدائي.

ويؤكد أساتذة لـ” الشروق”، أن لهم تجارب سيئة مع مثل هذه الأغراض المدرسية، التي انتشرت خلال السنوات الأخيرة، حيث بات التلميذ بحسبهم أكثر انشغالاً باللعب بها بدل التركيز في شرح الدرس، مشيرين إلى أن هذه الظاهرة تؤثر مباشرة على مستوى استيعاب الدروس، حيث يتحول القسم إلى ساحة منافسة بين الأدوات بدل أن يكون فضاءً للتحصيل العلمي.

وتؤكد المعلمة “ضُحى”، أنها لطالما استدعت أولياء التلاميذ، لإطلاعهم على تراجع مستوى أطفالهم في القسم، بسبب تركيزهم ولعبهم بأدواتهم المدرسية، التي تحمل أشكال ألعاب، وصفتها بـ “المُلهيات”، وهو ما جعلها تنصح العائلات، قبيل الدخول المدرسي المقبل، بالابتعاد عن هذه الأدوات أو شرائها، وتركها في المنزل بدل أن يصطحبها التلميذ معه إلى مدرسته، والاكتفاء بأخرى بسيطة في القسم.

غيرة وتكريس للفوارق الاجتماعية

وتطرقت المعلمة إلى انشغال آخر، وهو أن كثيرا من أطفال العائلات الفقيرة “ينظرون بغيرة وحسرة إلى الأغراض المدرسية التي تحمل أشكال الألعاب التي يحضرها زملاؤهم للقسم، وهو ما يقهرهم”.

ويدعو كثير من المعلمين والأخصائيين النفسيين، إلى ضرورة توعية الأولياء بضرورة اختيار أدوات مدرسية عملية وبسيطة، تساعد التلميذ على التنظيم والتركيز بدلاً من تشتيت ذهنه، كما يناشدون الجمعيات وأجهزة الرقابة حماية المدرسة من تسلل هذه السّلع التجارية التي تحوّل المدرسة إلى مجال للمنافسة الاستهلاكية.

وفي الموضوع، يذكر المختص في علم النفس التربوي، حسام زرمان، في تصريح لـ”الشروق”، أن شراء الأدوات المدرسية الفاخرة والجميلة وإحضارها للأقسام، له تأثير وبعد اجتماعي ونفسي خطير على الأطفال.

وقال: “الأدوات الجميلة والفاخرة تثير غيرة التلاميذ الذين ينحدرون من عائلات فقيرة غير قادرة على اقتناء أدوات غالية لأبنائها وتكتفي بالبسيطة منها، وهو ما قد يزرع شعوراً بالنقص لدى الطفل في الطور الابتدائي وحتى المُتوسط، ويخلق نوعاً من التمييز بين التلاميذ داخل القسم، في وقت تسعى فيه المدرسة الجزائرية إلى ترسيخ قيم المساواة والتكافؤ”.

وأشار المتحدث، إلى أن الأدوات المدرسية الفاخرة يمكن أن تثير مشاعر الغيرة بين التلاميذ، ما يؤدي إلى شعور التلاميذ الأقل حظًا، بالحرمان وعدم المساواة، وقد تتطور هذه المشاعر إلى التنمر والحسد أو الشعور بالنقص، وهو ما قد يؤثر على ثقتهم بأنفسهم، ويدفعهم نحو العزلة الاجتماعية”.

رغم أن هذه الأدوات، بحسب قوله، هي مجرد استراتيجيات تسويقية تستهدف عاطفة الأولياء ورغبتهم في إرضاء أبنائهم، دون التفكير في العواقب، وفي كثير من الحالات، تُنفق العائلات مبالغ معتبرة على أدوات ليست ضرورية، في حين تعاني من مصاريف الدخول المدرسي.

وينصح المختص النفساني، الأولياء بضرورة توعية أبنائهم، بأهمية القيم الإنسانية والأساسية في المجتمع، مثل التركيز على العلم والاجتهاد بدل البحث عن الماديات و”الفخامة”، وضرورة التحلي بالمشاعر النبيلة تجاه زملائهم في القسم، مثل عدم إحراجهم وإثارة غيرتهم، والابتعاد عن التنمر عليهم.

وبحسبه: “الدخول المدرسي مناسبة للتركيز على التحصيل العلمي بعيدا عن المظاهر الاستهلاكية. وأي انحراف نحو أدوات مدرسية أقرب إلى الألعاب يهدد هذا الهدف النبيل، ويزيد من الضغوط الاجتماعية على التلاميذ وأوليائهم”.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!