الرأي

الأمنُ القومي وفيروس الصورة الثقافية

بقلم الأستاذ: لونيس بن جبل الجزائري
  • 391
  • 0

تتمايز الشعوب وتختلف حسب أعراقها ودياناتها وأوطانها، ولكل شعب هوية وخصائص تميزه وتشكّل قوام وجوده واستمراريته في كنف ما يميزه من أصالة وعراقة، وكان للعراقة عبر العصور دورٌ كبير في تحديد معالم التقدّم والنهضة بين أمم العالم، إذ أنها تمثل الكنز الأممي الذي يعرف الشعوب.
هذه الأهمية القصوى، بالنظر إلى أنها تمثل وتحتل حيزا كبيرا من مقومات أي شعب من شعوب العالم، كانت محل استهدافات عبر كافة الحملات الاستدمارية ولاسيما في العصر الحديث، ولعل أبرزها ما خططه الاستدمار الفرنسي من مخططات قذرة للنيل من مقومات أمتنا الجزائرية، ولعل هذا المنهج أخذ يتطور في علومنا الحديثة ليتخذ أشكالا متعدّدة ومناهج متعمّقة.
ونستطيع القول إن مناهج الغزو الفكري أصبحت تدرَّس بطرق علمية تعتمد على تحليل السلوك والذهن البشري، وهذا ما خلق حربا من تصنيف غير تقليدي تستهدف الأسس الفكرية للأمم، وذلك من أجل تدميرها والسيطرة عليها، وكما قلنا سابقا بأساليب متعدّدة ومناهج متطوّرة.

وما هو قيّم وثمين في ثقافة أصيلة أصلية كحب الوطن وتقديس الانتماء له يكون في معادلة ثقافية دخيلة غير قيّم وغير ثمين، وبالتالي، قد تظهر صورة الثقافة الدخيلة على مستوى تفكير الأفراد كأن ينشد الفرد العيش في مجتمع متحرر من دون ضوابط وأطر اجتماعية، وهنا تعمل الثقافة الدخيلة على زرع هذه الفكرة لتكون لديه معتقد الحرية الزائفة.

ومع القفزة الحاصلة في عالم التكنولوجيا الحديثة، أصبح هذا الهجوم يتم عن بُعد عبر آليات جد معقدة، تستهدف الزرع الفكري الهدام للعقول وللأوطان، وخلال تناولنا لنطاق هذا الهجوم ومداه، نستعرض ذلك الهجوم الذي يدار وينفَّذ عن بُعد، وهنا تكمن خطورته على الأفكار وعلى روح الانتماء للأوطان، وله كذلك خطورة أخرى تكمن في أنه يتَّسم بطول النفس، أي أن تأثيره يكون تدريجيا وينتشر ببطء داخل النسيج الاجتماعي، وهذا ما يعطيه طابع الملازمة للأجيال، وهذه -هي الأخرى- خطيرة إستراتيجيا، ويتم ذلك عبر العديد من القنوات والطرق، والتي من بينها الصورة الثقافية، وهي من مقومات كل أمة إذ نجد كل شعب من شعوب المعمورة لديه صورة ثقافية تميزه، وهي تتأثّر بالصور الثقافية الأخرى للشعوب الأخرى وتؤثر فيها على شاكلة الاحتكاك الثقافي، ولعل كل صورة ثقافية بين الأمم لها إيجابياتها ولها سلبياتها حسب العديد من المحكمات التي تميز كل شعب، وإذا اختلطت هذه الصورة الثقافية بالصور الأخرى تتأثر بها وتظهر في ثقافة الأفراد وسلوكاتهم، فإذا اختلطت بما هو إيجابي، فإن النتيجة تكون إيجابية والعكس صحيح، والضوء هنا يجب تسليطه على الناحية السلبية لأنها هي التي تُستعمل في الغزو الثقافي، أي هنا يتم تصدير الصورة الثقافية السلبية نحو ثقافة مجتمع أصيل من أجل زرعها كفيروس يغيّر معالم صورته الثقافية الأصيلة والأصلية، وذلك أن في هذه الأخيرة معالم ومقاييس قوة واستمرارية تجعل تدمير تلك الأمة غاية في الصعوبة، وهنا تستهدف عبر زرع ثقافة دخيلة تعمل على تحليل تماسك تلك البنية الثقافية، والسؤال المطروح: لماذا؟.
الجواب على هذا السؤال يكمن في أن الثقافات تعبِّر عنها السلوكيات وبالتالي عندما نغير ثقافة سنغير فكرة ونغيّر معها سلوكا، لأنه قبل تغيير السلوك تتغير القيم وتتغير الأفكار والمعتقدات، وما هو قيّم وثمين في ثقافة أصيلة أصلية كحب الوطن وتقديس الانتماء له يكون في معادلة ثقافية دخيلة غير قيّم وغير ثمين، وبالتالي، قد تظهر صورة الثقافة الدخيلة على مستوى تفكير الأفراد كأن ينشد الفرد العيش في مجتمع متحرر من دون ضوابط وأطر اجتماعية، وهنا تعمل الثقافة الدخيلة على زرع هذه الفكرة لتكون لديه معتقد الحرية الزائفة، وبعد ذلك قد ينشأ عن هذا لاحقا إذا تتبعنا هذه الفرضية بما يصطلح عليه ظاهرة الهجرة غير الشرعية، وهنا كمثال، وتولّد هذه الظاهرة مجموعة من الجرائم الأخرى، كالتزوير والابتزاز والتهريب وإحداث نزيف بالمورد البشري للبلاد، وهنا يقودنا هذا الطرح إلى الاستنتاج أن الصورة الثقافية المستورَدة إذا لم تتم عملية تحليلها ودراستها قبل نشرها، ستكون جد خطيرة لأنها قد تكون محمَّلة بشحنة فكرية سلوكية جد مضرة بالمقومات الأصيلة للأمم، وزرع الصورة الثقافية قد يكون عبر الكتب والمقالات والمنشورات التي تُنشر في وسائل التواصل الاجتماعي، والأفلام والمسلسلات كما استُعملت قديما حتى المسارح في زرع الخلافات والصدامات والأفكار المدمِّرة.
وعموما الصورة الثقافية هي عبارة عن رسالة قد تكون مكتوبة أو مسموعة أو مرئية، ومن كل ما سبق، نستنتج أن للصورة الثقافية الدخيلة أثرا كبيرا على الأمن القومي وعلى أفكار الأمة، وبالتالي، فإن ضرورة متابعة كل الأفكار الدخيلة واجب ضروري من أجل حماية الأمن القومي للوطن، وضرورة بناء فرق علمية سلوكية تعمل على تحليل تلك الصورة ومتابعتها، لأنه بالإضافة إلى الشق السلبي لأي ثقافة من الثقافات والتي، كما قلنا سابقا، قد تستعمل في هذا الغزو، هناك منهج حديث يعمل على تصميم ثقافات سلبية هدامة وخطيرة، يعني تكون نتاج مختبرات بحث وليست مشتقة من ثقافات أخرى، بمعنى ثقافة نتاج مختبرات تصمَّم بطريقة مدروسة لتدمر معايير معينة محدّدة، وصُمِّمت هذه الثقافة من أجلها لتدميرها أي تكون موجهة نحو نقاط معينة.
صحيح أن المجال الرقمي التكنولوجي بات واسعا وشاسعا، لكن ضرورة الحرص على كل النقاط الحساسة ذات الأثر الواسع والوقوف على حمايتها ومتابعتها، وحتى فتح مختبرات سلوكية تختص بتحليل تلك الصور والبيانات الفكرية، وتطور آليات التصدي لكل الأفكار الهدّامة لأن عزة الوطن وقداسته تتطلب الحرص والتصدي لكل ما يلحق الضرر به ويستهدفه في قوته وأمنه وأمانه.

مقالات ذات صلة