الأمير.. الليلة الأخيرة وخيانة السلطان المغربي
لم تمر الذكرى 175 لوقف اطلاق النار بين الأمير عبد القادر والجيش الفرنسي التي تصادف 23 ديسمبر من كل سنة، التي جرت أحداثها بمنطقة تونان بالسواحلية التابعة إداريا لدائرة الغزوات بتلمسان، دون أن تعيد سرد الأحداث التاريخية وإماطة اللثام عن الليلة الأخيرة والخيانة التي تعرض لها من قبل السلطان عبد الرحمن بن هشام المغربي، بعد إقدام هذا الأخير على توقيع اتفاقية مع العدو الفرنسي تقضي بطرد الأمير عبد القادر مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة من الأراضي المغربية وإلقاء القبض عليه ثم تسليمه إلى العدو الفرنسي، وهي أحد أهم العوامل التي دفعت بالأمير إلى التفاوض مع المستعمر الفرنسي وطلب الأمان خاصة بعد اغتيال الذراع الأيمن العسكري للأمير، القائد البوحميدي الولهاصي، الذي تم تسميمه في السجون المغربية، بالإضافة إلى مغادرة أحد رجال الأمير، والأمر يتعلق بالطيب بن سالم وتوجهه إلى بلاد الشام، والقضاء على خيرة الفرسان التابعين لكتيبة الأمير، والفرق الكبير عدديا بين الجيش الفرنسي المدعوم بآلاف الجنود وجيش الأمير عبد القادر الذي لم يكن يضم أعدادا كثيرة.
انعدام التكافؤ العسكري والعوامل التي سبق ذكرها، كما جاء ذلك في الندوة التاريخية المنعقدة يوم الخميس الماضي بمكتبة المطالعة بمنطقة السواحلية، التي شارك فيها الروائي واسيني الاعرج- الذي كان له لقاء ثان في نفس اليوم بالمدرسة البحرية بالغزوات، هذه المدينة الساحلية التي شهدت آخر ليلة قضاها الأمير في أحد منازل القادة الفرنسيين الذي قتل في معركة سيدي ابراهيم- وعدد من المؤرخين الأكاديمين من بينهم المؤرخ احمد بن داود، الذي أشار إلى تلك العوامل، خلال تلك الحقبة التاريخية، وأن الأمير عبد القادر فضل التفاوض مع العدو الفرنسي ووقف القتال، على أن يستمر في معاركه ضد الاستعمار الفرنسي بعدما رأى بأن موازين القوى ليست في صالحه وأن أي قرار باستمرار المعارك سينتهي بإبادة جماعية للجزائريين على يد الجيش الفرنسي.
وأضاف المؤرخ بن داود أن الأمير رأى بأن حياة الجزائريين أولى من الجر بهم في معارك، ستنتهي بإزهاق أرواح الأطفال والنساء، خاصة بعد الصدمة التي تعرض لها إثر إقدام عدد من القبائل بمنطقة سعيدة ومنحهم الولاء التام للسلطان المغربي عبد الرحمن بن هشام، الذي يقضي بمواجهة الأمير والقضاء عليه وعلى أتباعه، إذ لم يتبق حينها سوى الطريق المؤدي إلى الصحراء عبر بوابة منطقة سعيدة، ليجد الأمير نفسه محاصرا بظروف قاسية استدعت اتخاذ قرار نهائي بوقف القتال والتفاوض، فسلم الأمير نفسه إلى الجيش الفرنسي بقيادة لاموريسيال بعد تحالف السلطات المغربية والإدارة الفرنسية الاستعمارية، لينقل بعد ذلك إلى سحن لومباز، حيث مكث خلف قضبانه قبل أن يطلق سراحه بعد تدخل القس ديشيش، هذا القس الذي يعود له الفضل في إطلاق سراح الأمير، كما جاء ذلك في مداخلة الروائي واسيني الاعرج، الذي استدل في معرض حديثه بمذكرات هذا القس الفرنسي الذي أفرد ثلث مذكراته للحديث عن تلك الزيارات التي قام بها هذا القس إلى الأمير، وتعرف عن قرب على مواقفه ومبادئه، وتلك القيم الإنسانية التي كانت تطبع شخصية الأمير عبد القادر، الذي قال على لسان القس بشيش أنه لم يكن يعلم بخيانة الإخوان الذين يفتقدون المروءة والرجولة، وأنه لو كان يعلم ذلك لحاربهم إلى أن يلقى أجله”، في إشارة إلى السلطان المغربي وحاشيته وما تلقاه منهم من خيانات وجحود طيلة مقاومته للعدو الفرنسي لما يزيد عن 17 سنة كاملة، كانت عنوانا لبسالة ورجولة الأمير وجيشه وقصة كفاحه من أجل تحرير الوطن.
وقد أعرب الروائي واسيني عن أسفه في سياق مداخلته عن اختصار الأمير في بندقية وحصان، في وقت إن الأمير عبد القادر فوق كونه قائدا كان أيضا سياسيا محنكا ومتصوفا وشاعرا اجتمعت فيه أنبل الصفات الإنسانية.. وهذا ما يجب الكشف عنه من قبل الباحثين والمؤرخين.
وخلص المتدخلون في هذه الندوة الموسومة “الأمير عبد القادر من المبايعة إلى وقف إطلاق النار”، إلى جملة من النقاط المفصلية في تاريخ مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة، أهمها أن الأمير عبد القادر لم يستسلم وإنما تفاوض على وقف إطلاق النار، عكس ما تحاول بعض الكتابات غير البريئة محاكمة الأمير واتهامه زورا وبهتانا بالخيانة. ثانيا، جاء قراره تجنبا لإبادة جماعية للجزائريين مع الخيانة التي تعرض لها من قبل السلطان المغربي وعمالته، عدم التكافؤ العسكري بين جيش الأمير الذي كان يفتقد العديد من قياداته وجيش العدو الفرنسي المدعوم بالعمالة المغربية.
وقد عرف اللقاء إهداء كتاب الأمير للروائي واسيني الاعرج للعديد من الحاضرين والمشاركين في هذه الندوة التاريخية التي أصلت لانتصار الأمير عبد القادر، وقد طالب عدد من الحضور بوضع معلم تاريخي يشهد على وقف إطلاق النار في أكبر معركة عرفتها الجهة الغربية للوطن، ألا وهي معركة سيدي ابراهيم.
للتذكير تم تنظيم هذه الندوة التاريخية من قبل قسم التاريخ بجامعة تلمسان وبلدية السواحلية بالتنسيق مع المتحف الحهوي للمجاهدين، ومشاركة عديد الفعاليات من بينها مؤسسة الأمير عبد القادر ومنظمة المجاهدين.