الرأي

الأمير عبد القادر.. تسوناميا لا ماسونيا

الشروق أونلاين
  • 6541
  • 1

مرة أخرى، ولا نظنها الأخيرة، يتعرض تاريخنا لهجوم منظم ومحاولات للطمس والتشويه من طرف بعض الإخوة في مصر الشقيقة، وكأن ما تتعرض له الأمة العربية والإسلامية من مؤامرات ومحن لا يكفي هؤلاء ولا يعنيهم، بقدر ما يشغلهم الاعتداء على ذاكرة ومقدسات الشعب الجزائري، هذا الشعب الذي لا يزال يعتبر أن تاريخه وهو مكسب مشترك بين أبناء أمة كانت خير أمة أخرجت للناس.

هذه المرة تكون الإساءة موجهة ضد واحد من رموز الأمة العربية والإسلامية، ومؤسس الدولة الجزائرية الحديثة، إنه الأمير عبد القادر الجزائري، حيث يتهمه أحد الكتاب المصريين بعمالته للماسونية وخيانته لشعبه ووطنه. هذا الاتهام الخطير جاء فيك كتاب عنوانه “حكومة الدجال الماسونية الخفية” لصاحبه منصور عبد الحكيم. ونحن نقرأ العنوان والفهرس لم نشك في أن هذا المعتوه يخبئ لنا سما بين فصول كتابه، إلى أن وصلنا إلى الفصل الحادي عشر من الصفحة 211، والذي عنونه صاحبه “الماسونية وشيوخ التصوّف في الشام قديما” (علاقة الأمير عبد القادر بالماسونية وإنشاؤه أول محفل ماسوني بالشام)، وهو كما نرى عنوانا طويلا لفصل لا يتجاوز عدد صفحاته الثلاث صفحات، يتهم فيه المؤلف صراحة الأمير عبد القادر، بالماسونية وإنشائه أول محفل ماسوني دون أن يقدم أي دليل واضح على ذلك، ولا حتى ذكر تاريخ معين أو أسماء أعضائه ولا مكان انعقاده بل كل ما يعرف هذا الكاتب هو اسم الأمير عبد القادر ليتهمه؟ ويواصل هذا المدّعي تماديه عندما يقلل من أهمية العمل الإنساني الكبير الذي قام به الأمير عبد القادر، عندما تدخل لإنقاذ آلاف المسيحيين من الإبادة الجماعية، حيث يرى صاحب الكتاب أن هذا الموقف مخترع وأن أوربا مجّدته للاحتفاء بالأمير عبد القادر كأحد مشاهير الماسونية ــ حسب رأيه ــ. ويضيف في آخر فقرة من الفصل ما يلي: “ويرى البعض أن انتساب عبد القادر كان حقيقة لا يستطيع إنكارها إلا من أصابه العمى، وأنه بطل صنعه الماسوني على أنه محراب لفرنسا مجاهد لصالح بلده الجزائر، ولعل انضمامه للماسونية دون أن يدري أهدافها الصهيونية مثل أقرانه في ذلك، الأفغاني والشيخ محمد عبده وسعد زغلول وغيرهم كثير”، فتصور أخي القارئ عندما يتحوّل واحد من هؤلاء الأعلام إلى عملاء للماسونية، وفيهم القائد الوطني والمجاهد الصوفي والمصلح الإجتماعي، فمن بقي إذن من المخلصين الشرفاء لم يتهمه هذا الأخرق بالعمالة للغرب وخيانة الوطن والدين؟

للتذكير فقط، أخي القارئ، أننا لم نود كتابة كل ما ورد في هذا الفصل من إساءة وبهتان في حق الأمير عبد القادر، كما ننبه أن هذا الكاتب قدم خدمة مجانية وهي أنه لم يأت بجديد من عنده حول موضوع الإساءة للأمير، لأن كل ما قاله كان مقتبسا ومنقولا من كتابات أخرى للمؤلفين آخرين لا يختلفون في حقدهم الأعمى عن صاحبهم المصري، فالقاسم المشترك بينهم هو عمى البصيرة قبل عمى البصر، وننقلكم أخي القارئ إلى الصفحة 283 من نفس الكتاب “وعلى خارطة العالم الإسلامي تنتشر الماسونية بدرجات متفاوتة في الهيئات والمنظمات والأحزاب الحاكمة أو المعارضة، ففي الجزائر توجد أكثرية منهم في “منظمة القبائل” (ولعله يقصد منطقة القبائل) ويشكلون 90 بالمئة من العرب والمسلمين المنخرطين في الفرنسية. انتهى

وبعد القراءة المتأنية، رأينا أن ننوّر الرأي العام والمهتمين بخطورة الموضوع، ومن أجل تحصين شبابنا من هذه السموم والأفكار الخبيثة الواردة إلينا من هنا وهناك، كما نود تنبيه الجهات الرسمية لضرورة مراقبة الكتب المعروضة علينا ابتداء من الوزارة المعنية، إلى دور النشر ودوائر المراقبة المختلفة وباقي باعة الكتب بالجزائر، كما نأمل في توحيد الجهود وتجنيد النخبة الفاعلة والناشطة لرد على مثل هذه الكتابات الغريبة والخطيرة، وهذا بكل هدوء ورزانة تمكن القارئ المواطن في الأخير من الاستفادة القصوى من خلال هذه الردود. للعلم أن الطبعة الأولى من الكتاب المذكور صدرت بداية ألفين وثمانية، وهذا ما يجعلنا نقف بروية أمام حالتين:

ــ الأولى: أن الأحداث الخاصة بمبررات كرة القدم، وما عرفته من أحداث (نوفمبر ألفين وتسعة) وباقي الأحداث التي تلتها بعد سقوط رموز النظام المصري السابق (ألفين وإحدى عشر) ليست لها علاقة في تغذية الكره الموجه ضد الشعب الجزائري والأمير عبد القادر على يد هذا الكاتب المعتوه.

ــ ثانيا: إذا كان ما كتب يعود بسنوات مضت، فكيف كان موقف الكاتب من ما عرفته المنطقة العربية من تحولات، هل هو هيجان ثوري أم هناك أمور أخرى حرّكت كل هذه الأحداث وجندته الماسونية؟

وفي جميع الحالات، هناك الكثير من الكلام للرد على مثل هذه السفسطة، وأن هذا الكاتب المصري قدم من حيث يدري أو لا يدري، خدمة جليلة للماسونية والدجال عندما طعن في شرف وسيرة واحد من رجالات الإنسانية الكبار، وواحد من الجبال الرواسي الذين أنجبتهم الجزائر.

وآخر ما نقزله لمثل هؤلاء ومن نحى نحوهم: أن الأمير عبد القادر الجزائري بأخلاقه وجهاده وعلمه وإنسانيته وعظمته بين أبناء جيله وعصره، كان وسيبقى تسوناميا، ولم يكن ماسونيا، وهذا ما نريد للعالم معرفته قريبا وبعيدا عدوا أو صديقا.. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

مقالات ذات صلة