الرأي

الأنبوب الأطلسي للمغرب: المشروع المستحيل

في قلب الصراع الجيوسياسي والاقتصادي بين الجمهورية الجزائرية والمملكة المغربية ومنطقة الساحل، يبرز مشروعان طموحان لنقل الغاز النيجيري —الأكبر احتياطيا في إفريقيا— إلى أسواق أوروبا: مشروع خط الغاز العابر للصحراء الذي يربط نيجيريا بالنيجر فالجزائر، ومشروع الأنبوب الأطلسي الذي يربط نيجيريا بساحل إفريقيا الغربي فالمغرب.
وإذا كان الأول قد انطلقت أشغاله الفعلية في جوان 2026، وموعد تشغيله محدد بدقة بين عامي 2028 و2029، فإن المشروع الثاني ما زال حبيس الدراسات والاتفاقيات، يواجه من العقبات والمعوقات ما يجعل تحققه في المستقبل المنظور أمرا بالغ الصعوبة، إن لم يكن مستحيلا.
في هذه المقالة، نعرض مقارنة موضوعية شاملة بين المشروعين، نُبرز فيها مزايا ومواطن القوة في مسار الجزائر، ونكشف عن العيوب والمعوقات الجوهرية التي تقف في وجه المشروع الأطلسي المغربي، بدءا من التمويل والتكنولوجيا، مرورا بحماية المسار، وانتهاءً بالبنية التحتية المفقودة أصلا.

أولا: المسار والطول والتكلفة.. الفارق الهيكلي
أول ما يلفت النظر عند مقارنة المشروعين هو الاختلاف الجذري في التصميم والمسار:
مشروع نيجيريا— النيجر— الجزائر: يمتد على طول 4,128 كيلومتر فقط، ويعبر ثلاث دول مباشرة. مسار مستقيم منطقي يقطع الصحراء الكبرى بأقصر طريق ممكن، لينتهي مباشرة في شبكة الغاز الجزائرية القائمة التي تُزوّد أوروبا منذ عقود. تكلفته التقديرية تتراوح بين 12 و18 مليار دولار، ويعتمد في معظمه على استفادة من بنية تحتية موجودة، مما يجعل التكلفة حقيقية ومعقولة.

مشروع نيجيريا— النيجر— الجزائر يمتد على طول 4,128 كيلومتر فقط، ويعبر ثلاث دول مباشرة. مسار مستقيم منطقي يقطع الصحراء الكبرى بأقصر طريق ممكن، لينتهي مباشرة في شبكة الغاز الجزائرية القائمة التي تُزوّد أوروبا منذ عقود. تكلفته التقديرية تتراوح بين 12 و18 مليار دولار، ويعتمد في معظمه على استفادة من بنية تحتية موجودة، مما يجعل التكلفة حقيقية ومعقولة.

أما مشروع الأنبوب الأطلسي فهو يمتد على طول 6,900 كيلومتر —أي أطول بما يزيد على 2,700 كيلومتر من المسار الأول— ويعبر أربعة عشر دولة ساحلية: نيجيريا، بنين، توغو، غانا، كوت ديفوار، ليبيريا، سيراليون، غينيا، غينيا بيساو، السنغال، جامبيا، موريتانيا، الصحراء الغربية المحتلة، ثم المغرب. مسار ملتوي طويل جدا يتبع انحناءات الساحل الغربي لإفريقيا، وتكلفته التقديرية تتراوح بين 25 و38 مليار دولار، أي أكثر من ضِعف تكلفة المشروع الأول، مع العلم أن كل ما سيُبنى في هذا المشروع جديد تماما ولا يوجد منه شبر واحد قائم.
هنا تظهر المفارقة الأولى: كلما زاد الطول وكثُرت الدول العابرة، ارتفعت التكلفة وتضاعفت المخاطر، وتعددت الجهات التي تفرض الرسوم والضرائب، مما يعني أن الغاز عند وصوله إلى نهايته سيكون أغلى بمراحل، وأقل قدرة على المنافسة في الأسواق الأوروبية.

ثانيا: التمويل.. بين ضمان ذاتي ووعود خارجية
أكبر تحدٍّ يواجه أي مشروع بهذا الحجم هو التمويل، وهنا يتضح الفارق جليا:
مشروع العابر للصحراء: ممول بشكل أساسي من شركتي سوناطراك الجزائرية ونيجيريا للغاز، بتمويل ذاتي ومباشر لا ينتظر قرارات بنوك دولية بطيئة أو شروطا خارجية. الاتفاق الثلاثي يضمن حصة كل دولة، والأشغال انطلقت فعليا في الجزء الجزائري، مما يعني أن التمويل مؤكد وموجود ولا يخضع لمزاج متغير أو شروط مجحفة.

مشروع الأنبوب الأطلسي يمتد على طول 6,900 كيلومتر —أي أطول بما يزيد على 2,700 كيلومتر من المسار الأول— ويعبر أربعة عشر دولة ساحلية. مسارٌ ملتوي طويل جدا يتبع انحناءات الساحل الغربي لإفريقيا، وتكلفته التقديرية تتراوح بين 25 و38 مليار دولار، أي أكثر من ضِعف تكلفة المشروع الأول، مع العلم أن كل ما سيُبنى في هذا المشروع جديد تماما ولا يوجد منه شبر واحد قائم.

مشروع الأنبوب الأطلسي: حتى اليوم لا يوجد تمويل مؤكد. المغرب يطلب من البنك الدولي والاتحاد الأوروبي والبنوك الغربية وحتى الأمريكية تمويلَ المشروع بما يتراوح بين 25 و26 مليار دولار، في الوقت الذي يعجز فيه عن تمويل محطة واحدة لتغويز الغاز المسال بتكلفة مليار دولار فقط، إذ أوقفت المناقصة الخاصة بها في فبراير 2026 من دون إعطاء أسباب واضحة. فكيف يُعقل أن يُموّل العالم مشروعا بتكلفة 38 مليار دولار لدولة عاجزة عن تمويل محطة بمليار؟
والحقيقة أن البنوك والمؤسسات المالية الدولية لا تُقرض بناءً على الأحلام والشعارات، بل تُقرض بناءً على الجدوى الاقتصادية والضمانات والقدرة على السداد. وعندما يتبين لها أن المسار يعبر 14 دولة، وأن لا ضامن واحد قادر على تحمل المسؤولية، فإن شروط التمويل ستكون باهظة، وقد تُشترط ضمانات سيادية تُفقد المشروع استقلاليته.

ثالثا: التكنولوجيا والخبرة.. بين تراكم ستة عقود وفراغ كامل
الفرق الأكثر وضوحا والأكثر خطورة يكمن في الخبرة التقنية والقدرة على الإنجاز والتشغيل: مشروع العابر للصحراء: بقيادة سوناطراك التي تمتلك خبرة تمتد أكثر من 60 عاما في صناعة الغاز، بناء وتشغيل خطوط الأنابيب في أقسى ظروف الصحراء، وإدارة شبكة تمتد من الجنوب الجزائري إلى موانئ المتوسط وتُصدّر الغاز إلى إيطاليا وإسبانيا بانتظام منذ عقود. الجزائر لا تستورد التكنولوجيا بل تُديرها وتُصونها وتُطوّرها بنفسها، وتمتلك الكفاءات والهندسة والقدرة الفنية الكاملة. وعندما يصل الغاز إلى الجزائر، فإنه يجد شبكة جاهزة ومحطات قائمة وخطوطا بحرية مباشرة إلى أوروبا لا تحتاج إلى بناء شيء جديد.
أما مشروع الأنبوب الأطلسي فلا توجد دولة من الدول المشاركة تمتلك خبرة مماثلة. لا شركة وطنية متخصصة، ولا تراكم خبرة، ولا تجربة في بناء خطوط بهذا الحجم عبر القارات. كل تقنية ستُستورد من الخارج، وكل مرحلة ستحتاج إلى خبراء أجانب، وكل صيانة ستتطلب استدعاء شركات أجنبية بتكاليف باهظة. والأخطر من ذلك: المغرب نفسه لا يملك حتى اليوم محطة واحدة لتغويز الغاز المسال وتحويله إلى غاز طبيعي!

المغرب يطلب من البنك الدولي والاتحاد الأوروبي والبنوك الغربية وحتى الأمريكية تمويلَ المشروع بما يتراوح بين 25 و26 مليار دولار، في الوقت الذي يعجز فيه عن تمويل محطة واحدة لتغويز الغاز المسال بتكلفة مليار دولار فقط، إذ أوقفت المناقصة الخاصة بها في فبراير 2026 من دون إعطاء أسباب واضحة. فكيف يُعقل أن يُموّل العالم مشروعا بتكلفة 38 مليار دولار لدولة عاجزة عن تمويل محطة بمليار؟

وعندما يشتري الغاز المسال يُرسله إلى محطات في إسبانيا لتقوم بتحويله ثم تُضخّه عائدا عبر الأنبوب القديم الذي بنته الجزائر في الاتجاه المعاكس. فكيف لدولة عاجزة عن تحويل الغاز المسال إلى غاز طبيعي على أرضها أن تدّعي قدرتها على بناء وتشغيل وصيانة أنبوب يمتد سبعة آلاف كيلومتر؟ هذا أشبه بمن لا يملك سيارة فيقترح بناء خط سكة حديد عابر للقارات!

رابعا: بين حزام أمني موحّد 13 دولة بلا ضامن
هذه العقبة وحدها كافية لجعل المشروع الأطلسي مستحيلا من الأساس: مشروع العابر للصحراء: النيجر والجزائر اتفقتا على تأمين المسار معا. الجزائر أرسلت بالفعل طائرات «سو-30» ومروحيات «مي-24» لتأمين المناطق الحساسة، وتُشكّل مع النيجر قيادة موحّدة ومنسَّقة. المسار يخضع لرقابة قوتين صديقتين متفاهمتين، وعند أي طارئ يمكن التدخل الجوي والسريع. باختصار: قوة واحدة مسؤولة قادرة على الحماية على طول المسار.
مشروع الأنبوب الأطلسي: يمر عبر 14 دولة مختلفة، أي دولة منها تملك السيادة على أراضيها، ولا يحق لأي دولة أخرى دخول أراضيها بقواتها من دون إذن صريح ومستقل. فمن سيحمي الأنبوب في غينيا؟ هل سترسل غانا قواتها؟ وهل تقبل ليبيريا ذلك؟ وأي تنسيق بين 14 جيشا تختلف أنظمتها وقدراتها وتوجهاتها؟ وأي هجوم على أي جزء في أي دولة نائية قد يتطلب أسابيع لاستجابة الجهات المعنية. ثم هناك المخاطر الأمنية المختلفة في كل منطقة: قرصنة في خليج غينيا، وتمرد في مناطق الساحل، وضعف سيطرة الحكومات في المناطق الداخلية.
والحقيقة المُرّة: لا توجد قوة واحدة قادرة أو مخوّلة بحماية هذا الأنبوب. كل دولة ستحمي جزءا منها بقدراتها المتواضعة، وأي خلاف بين دولتين متجاورتين يُوقف المشروع بأكمله. وأي انقلاب في أي دولة من الدول الـ14 قد يغير الشروط أو يغلق الصمام فورا.

خامسا: بين خط مباشر وشبكة مفقودة
الغاية النهائية من المشروع هي توصيل الغاز إلى أوروبا، وهنا تظهر الفضيحة الكبرى: مشروع العابر للصحراء: عند وصول الغاز إلى الجزائر، يدخل مباشرة شبكة قائمة تُغذي إسبانيا عبر خط «ميدغاز» وإيطاليا عبر خط «عبر المتوسط» البحري المباشر الذي يعمل منذ 1983. أي أن الغاز يدخل أوروبا من دون وسيط ومن دون تكاليف إضافية ومن دون عبور دول ثالثة. إيطاليا تستلمه مباشرة من الجزائر، وإسبانيا كذلك. المسار مكتمل الجوانب ومتصل بالأسواق مباشرة.
مشروع الأنبوب الأطلسي: يصل الغاز إلى المغرب ثم يجب أن يعبر مضيق جبل طارق إلى إسبانيا. وهنا تظهر العقبات من جديد:
– المغرب لا يملك محطة تحويل ولا شبكة توزيع على أرضه.
– يجب بناء خط بحري جديد عبر المضيق بتكلفة إضافية بمليارات الدولارات وتقنية لم تُجرّب بهذا الحجم.
– إسبانيا لا تملك سوى وصلتين محدودتين مع فرنسا بسعة لا تزيد عن 12 مليار متر مكعب سنويا، بينما سعة الأنبوب المقترح 30 مليارا، أي أن ثلث الغاز فقط يمكن نقله عبر إسبانيا والباقي سيتجمد.
– أما إيطاليا فلا يوجد خط أنابيب يربط إسبانيا بإيطاليا أصلا، مما يعني أن الغاز لن يصل إليها إلا بتحويله إلى غاز مسال وإعادة شحنه بتكلفة ترفع سعره بنسبة 40% أو عبر فرنسا برسوم باهظة تُضاعف التكلفة.
باختصار: المشروع الأطلسي ينتهي فعليا عند حدود إسبانيا، ولا يملك أجنحة تُطير به إلى بقية أوروبا.

سادسا: بين جدول واقعي وآخر مفتوح
مشروع العابر للصحراء: الأشغال انطلقت في الجزء الجزائري في جوان 2026، وتأمين المسار بدأ فعليا بنشر الطائرات والمروحيات في النيجر أوت 2026، والجدول الزمني يُحدِّد التشغيل التجاري بين 2028 و2029. موعد واقعي مدروس، يأخذ في الحسبان الطول والظروف والقدرة.

البنوك والمؤسسات المالية الدولية لا تُقرض بناءً على الأحلام والشعارات، بل تُقرض بناءً على الجدوى الاقتصادية والضمانات والقدرة على السداد. وعندما يتبين لها أن المسار يعبر 14 دولة، وأن لا ضامن واحد قادر على تحمل المسؤولية، فإن شروط التمويل ستكون باهظة، وقد تُشترط ضمانات سيادية تُفقد المشروع استقلاليته.

مشروع الأنبوب الأطلسي: حتى اليوم لم تبدأ أشغال حفر في أي نقطة. الدراسات ما زالت جارية، والاتفاقيات لم تُوقّع بعد بتفاصيلها النهائية، والتمويل لم يُؤمَّن، ولا يوجد تاريخ تشغيل مؤكد. التقديرات المتفائلة تتحدث عن 2031 أو ما بعدها، بينما تقارير محايدة تشير إلى أن الواقع قد يُؤخّره إلى ما بعد 2035، إن لم يُلغَ تماما حين يدرك الجميع استحالة تنفيذه.

سابعا : مشروع يُبنى.. ومشروع يُرسم
بعد استعراض كل هذه المعطيات، يتضح أننا أمام مشروعين لا يقارنان: والسؤال الذي يفرض نفسه في الختام: لماذا يُصرّ المغرب على الترويج لمشروعٍ يعاني من كل هذه العيوب مجتمعة؟ الجواب قد لا يكون اقتصاديًّا بقدر ما هو سياسي: فالمشروع الأطلسي ورقة ضغط يُقصد بها تأخير أو تعطيل المشروع المنافِس الناجح، وخلق وهمٍ بأن هناك بديلا آخر، واستدرار تمويلٍ أجنبيٍّ يُعــزّز النفوذ من دون نية حقيقية للإنجاز.
المشروع الجزائري- النيجيري- النيجري يمضي قُدما بخطى واثقة: التأمين بدأ، والأشغال انطلقت، والتمويل مؤكد، والخبرة موجودة، والطريق إلى أوروبا مفتوح ومُعبّد منذ عقود. وأما المشروع الآخر فما زال في مرحلة «نريد ونأمل وننتظر».. ولا محطات ولا تمويل ولا حماية ولا خطوط واصلة. ومن يعجز عن بناء محطة في بلده لا يصلح لبناء أنبوب يربط قارتين. وهكذا يتضح أن الفرق بين المشروعين هو الفرق بين من يملك كل مقومات الإنجاز، ومن لا يملك حتى مقومات الاستمرار.

مقالات ذات صلة