-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الإرهاب في‮ ‬تونس‮: ‬بين الذرائع والذراع‮…‬

الشروق أونلاين
  • 1410
  • 4
الإرهاب في‮ ‬تونس‮: ‬بين الذرائع والذراع‮…‬

لا‮ ‬يدرك التونسيون الذي‮ ‬قاله الجنرال شارل ديغول عن بلدهم إنّ‮”‬الدم‮ (‬فيه‮) ‬يجفّ‮ ‬بسرعة‮”‬،‮ ‬أنّ‮ ‬زعيم أنصار الشريعة‮ (‬الإرهابيّة‮) ‬يأتي‮ ‬وضعه الراهن،‮ ‬أشبه،‮ ‬بل متطابق حدّ‮ ‬التمام مع ما كان عليه راشد الغنوشي‮ ‬وحركة النهضة‮ (‬الإرهابيّة سابقًا‮) ‬زمن بن علي،‮ ‬علمًا أنّ‮ ‬وزراء بن علي،‮ ‬المترشحون راهنًا للانتخابات الرئاسيّة التي‮ ‬ستدور‮ ‬يوم‮ ‬23‮ ‬نوفمبر القادم،‮ ‬كانوا زمن سيّدهم‮ (‬الهارب‮) ‬يذرعون البلاد لتفسير خطب‮ “‬صانع التغيير‮” ‬و”صانع التحوّل السابع من نوفمبر‮ (‬المبارك‮)” ‬بخصوص الإرهاب‮ (‬النهضاوي‮)‬،‮ ‬هم الآن‮ ‬يغازلون زعيم هذه الحركة‮ (‬الإرهابيّة سابقًا‮)‬،‮ ‬بل‮ ‬يعرضون أمامه ما‮ ‬يرضيه،‮ ‬أو بالأحرى ما‮ “‬يغريه‮” (‬من مفاتن‮) ‬ويجعله‮ ‬يرضى عنهم،‮ ‬ويدعمهم في‮ ‬انتخابات بدأت حروبها مسبقًا‮…. ‬هل‮ ‬يعيد التاريخ ذاته،‮ ‬ويصبح‮ “‬إرهابي‮” (‬اليوم‮) “‬الضامن‮” (‬غدًا‮) ‬للأمن والتوازن داخل البلاد،‮ ‬كما تقول الأحزاب التونسيّة والأطراف الإقليمية وحتى القوى الدولية‮ (‬عن حركة النهضة)؟ من‮ ‬يدري؟؟؟ خاصة أن الغنوشي‮ ‬صرح أنه‮ ‬يرى في‮”‬هؤلاء‮” (‬أي‮ ‬الشباب السلفي‮ ‬الجهادي‮) “‬شبابه‮”….‬

في‮ ‬تجاوز لأسئلة تستجوب أبعادًا استشرافيّة،‮ ‬تثير بالضرورة حفيظة الكثير أو ربّما الغضب‮ (‬أو حتّى التخوين‮)‬،‮ ‬يمكن السؤال إن كان العجز التونسي‮ (‬راهنًا‮) ‬في‮ ‬حسم المسألة الإرهابيّة،‮ ‬ينبع من‮ “‬طبيعة المقاربة ذاتها‮” (‬أي‮ ‬الكنه والماهية والأصل الفكر والجذر الاستراتيجي‮) ‬أمّ‮ ‬من عدم”القدرة‮”(‬نسبيّا‮) ‬على الإحاطة بهذه المسألة وتقديم ما‮ ‬يجب من أجوبة؟ خاصة وأن تونس‮ (‬قياسًا مع عدد سكانها وبعدها عن الشرق العربي‮) ‬تأتي‮ ‬في‮ ‬المرتبة الأولى على مستوى‮ “‬تصدير الإرهاب‮” ‬أوّلا وكذلك قدرة هؤلاء‮ “‬الإرهابيين‮” ‬على الارتقاء إلى‭ ‬أعلى المراتب القياديّة؟ ممّا‮ ‬يدفع‮ (‬ضمن منطق السؤال دائمًا وأبدًا‮) ‬إن كان”المنطق الإرهابي‮” (‬في‮ ‬تونس‮) “‬مستقل‮” (‬بذاته‮) ‬أم‮ (‬وهنا السؤال‮) “‬معدّل جينيا ليتحوّل إلى أكثر من”بعبع‮” ‬وأخطر من‮ “‬غول‮”‬،‮ ‬سواء عند”التصدير‮” (‬راهنًا‮) ‬أو‮ (‬ربّما‮) ‬تحوّله‮ (‬أو تحويله‮) ‬إلى‮ “‬طرف أساسي‮” ‬ضمن المعادلة التونسيّة أو حتى الإقليمية،‮ ‬في‮ ‬علاقة بدول الجوار أو العمق الاستراتيجي‮ ‬للبلاد؟

يلاحظ المراقب دون الحاجة إلى عمق في‮ ‬البحث أنّ‮ “‬المقاربة الإرهابيّة‮” ‬في‮ ‬تونس راهنًا،‮ ‬لا تزال ذاتها منذ زمن بن علي،‮ ‬أيّ‮ ‬وضع المسألة‮ (‬برمّتها‮) ‬ضمن بعد”أمني‮” (‬بل بوليسي‮)‬،‮ ‬عدّته في‮ ‬ذلك العنف المباشر وتجفيف المنابع،‮ ‬كأنّ‮ ‬الغاية الكبرى والهدف الأسمى‮ ‬ينحصر في‮ “‬الخيار الصفر‮” ‬أي‮ ‬القضاء الكامل‮ (‬ضمن المعنى المادي‮ ‬المباشر‮) ‬على الإرهاب وعلى ما‮ ‬يمكن أن‮ ‬يمثّل‮ (‬يومًا ما‮) ‬خطرًا إرهابيا؟ أيّ‮ ‬بصريح العبارة،‮ ‬اجتثاث”الفاعل‮” ‬لذاته‮ (‬وفق التعريفات المعتمدة من منظور أمني‮ ‬مباشر‮) ‬قبل البحث أو الحديث عن إمكانية الفعل؟

إثر تهريب بن علي،‮ ‬جاءت حكومات وتعاقبت متباينة بخصوص ملفات عديدة،‮ ‬إلاّ‮ ‬أنّها‮ “‬أجمعت‮” (‬في‮ ‬تطابق كامل‮) ‬بخصوص مسألة الإرهابيّة،‮ ‬لدرجة جعلت علي‮ ‬العريض‮ (‬رئيس الوزراء عن حركة النهضة‮) ‬يعتمد بصراحة وإعلان دون مواربة قانون الإرهاب لسنة‮ ‬2003‮. ‬ذات القانون الذي‮ ‬عانى منه الرجل‮ (‬هو وكامل الطيف المعارض فعلا لبن علي‮)‬،‮ ‬حين جعلت حركة النهضة‮ (‬حينها‮) ‬من هذا القانون‮ (‬المخالف لأبسط قواعد حقوق الانسان‮) ‬رأس حربة لمحاربة نظام الطاغية/الطاغوت بن علي‮.‬

من ذلك‮ ‬يمكن الجزم بأمرين‮: ‬أوّلها استقلال‮ “‬المقاربة الأمنيّة‮” (‬عامّة‮) ‬و”المقاربة الإرهابية‮” (‬خاصة‮) ‬عن أي‮ “‬تحوّل سياسي‮” ‬سواء ما ارتبط‮ (‬بما‮ ‬يسمى‮) “‬الثورة‮” ‬وثانيًا ما تلاها‮ “‬انجازات انتخابيّة‮”‬،‮ ‬إلاّ‮ ‬ما تستلزمه شروط الممارسة‮ “‬الديمقراطيّة‮” ‬أساسًا على”المستوى الإعلامي‮”‬،‮ ‬حين صارت الصحافة تملك قدرة طرح أسئلة لا تلقى أجوبة في‮ ‬العادة‮. ‬

هناك جزم بأنّ‮ ‬بن علي‮ ‬كان‮ ‬يملك مقاربة أمنيّة‮ (‬فقط‮) ‬لحكمه لتونس،‮ ‬كما الجزم حاليا بفصل المقاربة الأمنيّة عن المقاربات السياسية عامة،‮ ‬لذلك برزت إلى السطح خصومات واضحة بين المؤسستين الأمنيّة والعسكريّة أولا،‮ ‬والمؤسستين الأمنيّة والقضائية،‮ ‬حين لم‮ ‬يعد الأمن والجيش والقضاء،‮ ‬يخضعون لذات‮ “‬قائد الأوركسترا‮”‬،‮ ‬بل صار كلّ‮ “‬يغنّي‮” ‬وفق ما‮ ‬يراه”صالحًا لذاته‮” ‬من مقام ودور ووظيفة خاصّة‮.‬

يمكن مقارنة المقاربة التونسيّة بمثيلتها الجزائريّة مثلا،‮ ‬لنجد أنّ‮ ‬العقل السياسي‮ ‬والأمني‮ ‬والعسكري‮ ‬الجزائري‮ ‬انتهى‮ (‬بعد سنوات من الدماء‮) ‬إلى أمرين أكيدين‮: ‬عبثيّة أو عجز المقاربة الأمنيّة والعسكريّة عن تأمين‮ “‬الحسم الشامل‮” (‬أي‮ ‬الخيار الصفر كما رأى بن علي‮ ‬ومن ورثوه راهنًا على رأس المؤسّسة الأمنيّة‮) ‬وثانيًا‮ (‬والأهمّ‮ ‬بل الاستراتيجي‮): ‬وجوب الولوج إلى المسألة الإرهابيّة من منظور سياسي‮ ‬بحت،‮ ‬يمكّن‮ (‬أو هو مكّن في‮ ‬الجزائر‮) ‬من فرز من كانوا‮ ‬يحاربون السلطة المركزيّة لهدف سياسي‮ (‬مهما كان‮) ‬عمّن‮ ‬يحملون نظرة عدميّة،‮ ‬ومن ثمّة استطاعت الجزائر الخروج بالمشروع الإرهابي،‮ ‬أو بالأحرى إفراغه من أي‮ ‬بعد”سياسي‮” ‬ليسقط أوّل الأمر إلى مشروع‮ “‬عسكري‮” ‬ليرتدّ‮ ‬راهنًا‮ (‬أي‮ ‬بقيّة ما تبقّى منه‮) ‬مشروعًا‮ “‬انتقاميا بحتًا‮”‬،‮ ‬دون عمق شعبي،‮ ‬بل أقرب ما‮ ‬يكون أو هو مطابق للجريمة المنظمة‮.‬

طوّرت الجزائر رؤيتها للإرهاب لدرجة جعلتها تميّز بين‮ “‬الفكر الجهادي‮” ‬و”الممارسة الإرهابيّة‮”‬،‮ ‬كمثل حركة‮ “‬أنصار الدين‮” ‬في‮ ‬مالي،‮ ‬التي‮ ‬لا تخفي‮ ‬فكرها الجهادي‮ ‬الصريح،‮ ‬لكنّها‮ “‬أفتت‮” ‬بحرمة ممارسة‮ “‬الجهاد‮” ‬خارج الفضاء المالي،‮ ‬ممّا‮ ‬يعني‮ ‬ارتقاء القراءة الإرهابية من البحث عن‮ “‬هويّة الفاعل‮” (‬الاستباقيّة‮) ‬إلى التعامل مع‮ “‬مشروعه‮” ‬المادي،‮ ‬على خلاف القراءة التونسيّة التي‮ ‬لا تزال‮ (‬منذ عصر بن علي‮) ‬أسيرة بل منغلقة على‮ “‬هويّة الفاعل‮” (‬المفترضة‮)‬،‮ ‬ممّا‮ ‬يعني‮ ‬السقوط في‮ ‬دوّامة‮ “‬التجفيف الكامل‮”‬،‮ ‬حين تقتصر نشرات وزارة الداخليّة في‮ ‬تونس دائمًا وأبدًا‮ (‬ودون استثناء‮) ‬على”عدد الموقوفين وما تمّ‮ ‬حجزه من أسلحة‮”‬،‮ ‬في‮ ‬تناس‮ (‬سيكولوجي‮ ‬وليس بالضرورة مقصود‮) ‬لمدى تطوّر”الفكر الجهادي‮” ‬في‮ ‬تونس‮ (‬وما هو أخطر‮) ‬إمكانيّة تحوّله إلى”ممارسة إرهابية‮”.‬

الهوس الأمني‮ ‬التونسي‮ ‬بصياغة الصورة المثلى،‮ ‬أي‮ ‬المفرغة من أي‮ “‬وجود إرهابي‮”‬،‮ ‬في‮ ‬التقاء مع‮ ‬غياب‮ (‬أو تغييب‮) ‬المشروع السياسي‮ (‬الجامع‮)‬،‮ ‬إضافة إلى بقاء العقل الأمني‮ (‬المختص بالشأن الإرهابي‮) ‬مستقل عن أيّ‮ “‬سيطرة سياسيّة‮” ‬بل في‮ ‬حال تمرّد،‮ ‬يجعل آلة مقاومة الإرهاب،‮ ‬تجعل من الفعل‮ ‬غاية وليس من النتيجة مقصدًا،‮ ‬ممّا‮ ‬يعني‮ ‬أنّ‮ ‬الآلة لا‮ ‬يهمّها تأثير الفعل”السلبي‮” (‬أي‮ ‬نشوء الإرهاب‮) ‬بقدر تحصيل الغنائم،‮ ‬وإن كانت‮ “‬افتراضية‮”‬،‮ ‬حين رفضتها العدالة عديد المرات وأعلنت عديد المرات أنّها‮ “‬واهية‮”.‬

ليست أزمة أفراد ضمن البعد الأخلاقي‮ ‬أو الوطني،‮ ‬بل هي‮ ‬منظومة لم تكن زمن بن علي‮ ‬في‮ ‬خدمة الوطن،‮ ‬ولم تستكمل بعد‮ (‬كمثل الشرنقة‮) ‬انتقالها من خدمة الطاغية إلى صناعة أو صياغة‮ “‬الأمن الجمهوري‮” (‬المفترض قولا‮)‬،‮ ‬حين‮ ‬غاب‮ “‬الغطاء السياسي‮” ‬أو جاء دون القدرة أو المقدرة على تأمين ذاته،‮ ‬ممّا أدى إلى‮ ‬غياب أيّ‮ ‬فهم لضرورة إفراغ‮ ‬المشروع الإرهابي‮ (‬أو المشاريع الإرهابية‮) ‬من أيّ‮ ‬بعد سياسي،‮ ‬ليكون الإسقاط العسكري‮ ‬ومن بعدها الحسم الفعلي‮.‬

غياب القراءة السياسية الرسمية لمسألة الإرهاب،‮ ‬أدى ـ بفعل التسيّب ـ إلى نشوء أو سيطرة ما‮ ‬يسمّى جمعيات‮ “‬الأمن الشامل‮”‬،‮ ‬وما تحمله من‮ “‬خطط استباقيّة‮”‬،‮ ‬تتماثل مع القراءات‮ “‬البوشيّة‮” (‬نسبة إلى بوش‮)‬،‮ ‬حين تجد التمويل والسند والعضد من جهات أوروبية وغربية عامة،‮ ‬خاصة أنها تنادي‮ ‬جهرًا عبر من‮ ‬يتوالون على الإعلام باسمها بوجود اعتماد الحلول‮ “‬الكليّة‮” ‬دون التفكير أو تقديم القراءة السياسية للمسألة الإرهابية‮.‬

ختامًا،‮ ‬يمكن الجزم أنّ‮ ‬العقل الأمني‮ ‬في‮ ‬تونس لا‮ ‬يزال في‮ ‬حالة خلط كما زمن بن علي‮ ‬بين مفهوم‮ “‬البديل‮” (‬المفترض‮) ‬إلى”النقيض‮”‬،‮ ‬حين‮ ‬ينادي‮”‬المحافظون الجدد‮” ‬في‮ ‬تونس بذات‮ “‬المقدّسة‮” ‬في‮ ‬مقاومة‮ “‬الذات‮” (‬الإرهابية‮)‬،‮ ‬وهي‮ ‬ذات المعادلة التي‮ ‬يؤمن بها‮ “‬الإرهاب‮”…‬

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
4
  • mourad

    حسبنا الله ونعم الوكيل

  • عماد

    يبدو أنك تعرف من, فأفدنا يا علي, ربما نفس الجهة التي نعرفها نحن. هل تقصد أوسطنا ؟

  • علي لبيض

    المقال لم يجب بصراحة عن سؤال من صنع الارهاب في تونس

  • علي لبيض

    المقال لم يجب عن سؤال من يصنع الارهاب في تونس