الإرهاب في تونس: بين الذرائع والذراع…
لا يدرك التونسيون الذي قاله الجنرال شارل ديغول عن بلدهم إنّ”الدم (فيه) يجفّ بسرعة”، أنّ زعيم أنصار الشريعة (الإرهابيّة) يأتي وضعه الراهن، أشبه، بل متطابق حدّ التمام مع ما كان عليه راشد الغنوشي وحركة النهضة (الإرهابيّة سابقًا) زمن بن علي، علمًا أنّ وزراء بن علي، المترشحون راهنًا للانتخابات الرئاسيّة التي ستدور يوم 23 نوفمبر القادم، كانوا زمن سيّدهم (الهارب) يذرعون البلاد لتفسير خطب “صانع التغيير” و”صانع التحوّل السابع من نوفمبر (المبارك)” بخصوص الإرهاب (النهضاوي)، هم الآن يغازلون زعيم هذه الحركة (الإرهابيّة سابقًا)، بل يعرضون أمامه ما يرضيه، أو بالأحرى ما “يغريه” (من مفاتن) ويجعله يرضى عنهم، ويدعمهم في انتخابات بدأت حروبها مسبقًا…. هل يعيد التاريخ ذاته، ويصبح “إرهابي” (اليوم) “الضامن” (غدًا) للأمن والتوازن داخل البلاد، كما تقول الأحزاب التونسيّة والأطراف الإقليمية وحتى القوى الدولية (عن حركة النهضة)؟ من يدري؟؟؟ خاصة أن الغنوشي صرح أنه يرى في”هؤلاء” (أي الشباب السلفي الجهادي) “شبابه”….
في تجاوز لأسئلة تستجوب أبعادًا استشرافيّة، تثير بالضرورة حفيظة الكثير أو ربّما الغضب (أو حتّى التخوين)، يمكن السؤال إن كان العجز التونسي (راهنًا) في حسم المسألة الإرهابيّة، ينبع من “طبيعة المقاربة ذاتها” (أي الكنه والماهية والأصل الفكر والجذر الاستراتيجي) أمّ من عدم”القدرة”(نسبيّا) على الإحاطة بهذه المسألة وتقديم ما يجب من أجوبة؟ خاصة وأن تونس (قياسًا مع عدد سكانها وبعدها عن الشرق العربي) تأتي في المرتبة الأولى على مستوى “تصدير الإرهاب” أوّلا وكذلك قدرة هؤلاء “الإرهابيين” على الارتقاء إلى أعلى المراتب القياديّة؟ ممّا يدفع (ضمن منطق السؤال دائمًا وأبدًا) إن كان”المنطق الإرهابي” (في تونس) “مستقل” (بذاته) أم (وهنا السؤال) “معدّل جينيا ليتحوّل إلى أكثر من”بعبع” وأخطر من “غول”، سواء عند”التصدير” (راهنًا) أو (ربّما) تحوّله (أو تحويله) إلى “طرف أساسي” ضمن المعادلة التونسيّة أو حتى الإقليمية، في علاقة بدول الجوار أو العمق الاستراتيجي للبلاد؟
يلاحظ المراقب دون الحاجة إلى عمق في البحث أنّ “المقاربة الإرهابيّة” في تونس راهنًا، لا تزال ذاتها منذ زمن بن علي، أيّ وضع المسألة (برمّتها) ضمن بعد”أمني” (بل بوليسي)، عدّته في ذلك العنف المباشر وتجفيف المنابع، كأنّ الغاية الكبرى والهدف الأسمى ينحصر في “الخيار الصفر” أي القضاء الكامل (ضمن المعنى المادي المباشر) على الإرهاب وعلى ما يمكن أن يمثّل (يومًا ما) خطرًا إرهابيا؟ أيّ بصريح العبارة، اجتثاث”الفاعل” لذاته (وفق التعريفات المعتمدة من منظور أمني مباشر) قبل البحث أو الحديث عن إمكانية الفعل؟
إثر تهريب بن علي، جاءت حكومات وتعاقبت متباينة بخصوص ملفات عديدة، إلاّ أنّها “أجمعت” (في تطابق كامل) بخصوص مسألة الإرهابيّة، لدرجة جعلت علي العريض (رئيس الوزراء عن حركة النهضة) يعتمد بصراحة وإعلان دون مواربة قانون الإرهاب لسنة 2003. ذات القانون الذي عانى منه الرجل (هو وكامل الطيف المعارض فعلا لبن علي)، حين جعلت حركة النهضة (حينها) من هذا القانون (المخالف لأبسط قواعد حقوق الانسان) رأس حربة لمحاربة نظام الطاغية/الطاغوت بن علي.
من ذلك يمكن الجزم بأمرين: أوّلها استقلال “المقاربة الأمنيّة” (عامّة) و”المقاربة الإرهابية” (خاصة) عن أي “تحوّل سياسي” سواء ما ارتبط (بما يسمى) “الثورة” وثانيًا ما تلاها “انجازات انتخابيّة”، إلاّ ما تستلزمه شروط الممارسة “الديمقراطيّة” أساسًا على”المستوى الإعلامي”، حين صارت الصحافة تملك قدرة طرح أسئلة لا تلقى أجوبة في العادة.
هناك جزم بأنّ بن علي كان يملك مقاربة أمنيّة (فقط) لحكمه لتونس، كما الجزم حاليا بفصل المقاربة الأمنيّة عن المقاربات السياسية عامة، لذلك برزت إلى السطح خصومات واضحة بين المؤسستين الأمنيّة والعسكريّة أولا، والمؤسستين الأمنيّة والقضائية، حين لم يعد الأمن والجيش والقضاء، يخضعون لذات “قائد الأوركسترا”، بل صار كلّ “يغنّي” وفق ما يراه”صالحًا لذاته” من مقام ودور ووظيفة خاصّة.
يمكن مقارنة المقاربة التونسيّة بمثيلتها الجزائريّة مثلا، لنجد أنّ العقل السياسي والأمني والعسكري الجزائري انتهى (بعد سنوات من الدماء) إلى أمرين أكيدين: عبثيّة أو عجز المقاربة الأمنيّة والعسكريّة عن تأمين “الحسم الشامل” (أي الخيار الصفر كما رأى بن علي ومن ورثوه راهنًا على رأس المؤسّسة الأمنيّة) وثانيًا (والأهمّ بل الاستراتيجي): وجوب الولوج إلى المسألة الإرهابيّة من منظور سياسي بحت، يمكّن (أو هو مكّن في الجزائر) من فرز من كانوا يحاربون السلطة المركزيّة لهدف سياسي (مهما كان) عمّن يحملون نظرة عدميّة، ومن ثمّة استطاعت الجزائر الخروج بالمشروع الإرهابي، أو بالأحرى إفراغه من أي بعد”سياسي” ليسقط أوّل الأمر إلى مشروع “عسكري” ليرتدّ راهنًا (أي بقيّة ما تبقّى منه) مشروعًا “انتقاميا بحتًا”، دون عمق شعبي، بل أقرب ما يكون أو هو مطابق للجريمة المنظمة.
طوّرت الجزائر رؤيتها للإرهاب لدرجة جعلتها تميّز بين “الفكر الجهادي” و”الممارسة الإرهابيّة”، كمثل حركة “أنصار الدين” في مالي، التي لا تخفي فكرها الجهادي الصريح، لكنّها “أفتت” بحرمة ممارسة “الجهاد” خارج الفضاء المالي، ممّا يعني ارتقاء القراءة الإرهابية من البحث عن “هويّة الفاعل” (الاستباقيّة) إلى التعامل مع “مشروعه” المادي، على خلاف القراءة التونسيّة التي لا تزال (منذ عصر بن علي) أسيرة بل منغلقة على “هويّة الفاعل” (المفترضة)، ممّا يعني السقوط في دوّامة “التجفيف الكامل”، حين تقتصر نشرات وزارة الداخليّة في تونس دائمًا وأبدًا (ودون استثناء) على”عدد الموقوفين وما تمّ حجزه من أسلحة”، في تناس (سيكولوجي وليس بالضرورة مقصود) لمدى تطوّر”الفكر الجهادي” في تونس (وما هو أخطر) إمكانيّة تحوّله إلى”ممارسة إرهابية”.
الهوس الأمني التونسي بصياغة الصورة المثلى، أي المفرغة من أي “وجود إرهابي”، في التقاء مع غياب (أو تغييب) المشروع السياسي (الجامع)، إضافة إلى بقاء العقل الأمني (المختص بالشأن الإرهابي) مستقل عن أيّ “سيطرة سياسيّة” بل في حال تمرّد، يجعل آلة مقاومة الإرهاب، تجعل من الفعل غاية وليس من النتيجة مقصدًا، ممّا يعني أنّ الآلة لا يهمّها تأثير الفعل”السلبي” (أي نشوء الإرهاب) بقدر تحصيل الغنائم، وإن كانت “افتراضية”، حين رفضتها العدالة عديد المرات وأعلنت عديد المرات أنّها “واهية”.
ليست أزمة أفراد ضمن البعد الأخلاقي أو الوطني، بل هي منظومة لم تكن زمن بن علي في خدمة الوطن، ولم تستكمل بعد (كمثل الشرنقة) انتقالها من خدمة الطاغية إلى صناعة أو صياغة “الأمن الجمهوري” (المفترض قولا)، حين غاب “الغطاء السياسي” أو جاء دون القدرة أو المقدرة على تأمين ذاته، ممّا أدى إلى غياب أيّ فهم لضرورة إفراغ المشروع الإرهابي (أو المشاريع الإرهابية) من أيّ بعد سياسي، ليكون الإسقاط العسكري ومن بعدها الحسم الفعلي.
غياب القراءة السياسية الرسمية لمسألة الإرهاب، أدى ـ بفعل التسيّب ـ إلى نشوء أو سيطرة ما يسمّى جمعيات “الأمن الشامل”، وما تحمله من “خطط استباقيّة”، تتماثل مع القراءات “البوشيّة” (نسبة إلى بوش)، حين تجد التمويل والسند والعضد من جهات أوروبية وغربية عامة، خاصة أنها تنادي جهرًا عبر من يتوالون على الإعلام باسمها بوجود اعتماد الحلول “الكليّة” دون التفكير أو تقديم القراءة السياسية للمسألة الإرهابية.
ختامًا، يمكن الجزم أنّ العقل الأمني في تونس لا يزال في حالة خلط كما زمن بن علي بين مفهوم “البديل” (المفترض) إلى”النقيض”، حين ينادي”المحافظون الجدد” في تونس بذات “المقدّسة” في مقاومة “الذات” (الإرهابية)، وهي ذات المعادلة التي يؤمن بها “الإرهاب”…