-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الإرهاب والإرهاب المضاد

حبيب راشدين
  • 1891
  • 0
الإرهاب والإرهاب المضاد

ربما يكون الغزو الأمريكي للعراق، بداية هذا القرن، هو آخر مواجهة عسكرية بين جيوش نظامية، قبل أن تبتكر الدول طريقا آخر للمغالبة وتصفية الحسابات بينها، عبر توظيف الجماعات المسلحة الإرهابية، حتى إن الحروب الدائرة اليوم، ومنذ سقوط بغداد، في مشارق العالم العربي ومغاربه، كما في إفريقيا وأوروبا وآسيا، قد تحوّلت إلى مواجهات بين جماعات إرهابية ودول تمارس الإرهاب، لتنتهي بمواجهة صرفة بين إرهاب وإرهاب مضادّ.

حصيلة هذا الجيل الجديد من الحروب كانت كارثية، دمّرت ليبيا بالكامل، وأخرجت الصومال من قائمة الدول، وقسمت أوكرانيا بلا رجعة، وهي في طريقها إلى تقسيم العراق وسورية، وتتطلع إلى التمدد والدوام، حتى إن التقديرات الأمريكية للمدة التي يحتاجها التحالف الدولي إلى تفكيك تنظيم “داعش”، قد انتقلت في بحر شهور من ثلاث سنوات إلى ثلاثين عاما، يُفترض من شعوب المشرق العربي أن تقبل هذا الواقع، وتتعايش معه بما فيه من قتل، وتدمير للمدن والبنية التحتية، وتهجير للملايين من المدنيين العزل.

في الحالتين السورية والعراقية، بدأنا نشهد تحوّلا في المواجهة، التي بدأت بين جيوش نظامية ومجاميع وُصفت بالإرهابية، ونراها تتحوّل إلى مواجهات بين ميليشيات وجماعات مسلحة من الطرفين، يُهزم الجيش العراقي النظامي فيُعوّض بين عشية وضحاها بميليشيات تقودها مرجعياتٌ دينية، وينهار الجيش السوري يوما بعد يوم، لتُسلّم جبهات القتال إلى ميليشيات تعمل تحت رايات طائفية، تُستقدم من الخارج كما تفعل المجاميع الإرهابية، وقد ظهر خطابٌ صريح عند الطبقة السياسية المتنفّذة في العراق، لم يتردد في القول: “لا سبيل إلى إلحاق الهزيمة بتنظيمات إرهابية عقائدية إلا بتنظيم ميليشيات عقائدية، تعمل خارج قوانين الحرب، وتعفي الدولة من المسؤولية القانونية والأخلاقية من تبعات حرب بلا ضوابط، بين ميليشيات ومجاميع إرهابية، تجسد شعاراً كان قد رفعه الاستئصاليون في كل زمن: “نقل الرعب إلى الطرف الآخر”.

والحال لم تعد المنظمات الحقوقية قادرة على التمييز بين الفظاعات التي ترتكبها المجاميع المصنفة رسميا جماعات إرهابية، وبين ما ترتكبه جيوشُ الدول وميليشياتها، كما هو حاصل في أوكرانيا، وقد تحولت حكومة كييف إلى حكومة تمارس الإرهاب بجيشها النظامي وتستعين بمجموعات إرهابية نازية وفدت إليها من مختلف الدول الغربية، ولم تعد الحكومة السورية تميّز بين سلوك جيش نظامي، يُفترض أنه أسِّس للدفاع عن البلد وعن سلامة أهله، وبين سلوك إرهابي صرف يدمِّر بالبراميل المتفجرة مدناً بأكملها، ما كان لحربٍ مفتوحة مع الكيان الصهيوني أن تلحق بها ما فعله الجيش السوري، وحزب الله، وباقي الميليشيات الشيعية الوافدة من إيران والعراق وأفغانستان وباكستان…

لم يعد منطقياً التمييز بين ما هو إرهابي وغير إرهابي، كما لم يعد مسموحا اتهام المسلمين وحدهم بالإرهاب، حتى وإن كانت رحى هذه الحرب بالإرهاب على الإرهاب تدور في معظمها داخل الجغرافيا العربية، وأنه بات على المجموعة الدولية أن تبدأ بتجريم السلوك الإرهابي عند الدول، قبل أن تطمع في إلحاق الهزيمة بالإرهاب، وإلا وجب على من قدّر مدة الحرب على تنظيم “داعش” بثلاثة عقود، أن يراجع حساباته مرة أخرى فيقدره بالقرون.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
  • الياس

    دمشق و ما ادراك ما دمشق ، ارض الايمان و المؤمنين صلة السماء بالارض و ملائكة الرحمان تحرسها ، من حاربها خسر الدنيا و الاخرة ـ الا ان حزب الله هم الغالبون

  • المولودي

    شكرا لك على هذا التحليل . لأن الكثير يركز على داعش مثلا و لا يبذل أي جهد ليسأل نفسه كيف ظهرت داعش . هل سقطت من السماء ؟ الكثير من العامة يحكم على النتائج و لا يولي اهتماما للمسببات . و لكن العارفون بالأمور في الغرب و حصوصا اعلامهم يعرفون هذه الحقائق جيدا و لكنهم يروجون الأكاذيب و الكثير منا للأسف يصدقونهم . و لو قام كل واحد باستعمال عقله المجرد لوجد أن كل المشاكل التي يعيشها الوطن العربي خاصة سببه الدكتاتوريات التي تحكمه المدعمة من الغرب . لو كانت عندنا حكومات شعبية ما وجد ارهابيا واحدا .

  • بن دحان

    تحية للأخ المعقب عليَّ .. عبارة " كرم الله وجهه" لم ترد إطلاقا في الكتابات الشيعية، إن قديما وإن حديثا، ولكن حسب ما هو معروف عندنا ( وأنا سني مالكي، لست إخوانيا ولا وهابيا ولا أي من هذه التوجهات ...) قيل عنه ذلك لأنه -وهو أول فتى يدخل الإسلام- لم يسجد لصنم طول حياته ..أما المقولة أعلاه، فهي أثناء حواره للخوارج، ثم قتاله لهم في الموقعة المشهورة (النهروان) .. وقد أصَّل، رضي الله عنه وأرضاه، المبدأ العام لضرورة وجود الدولة، وعدم الإلتجاء إلى الفوضى مهما كانت المبررات ... وشكراً

  • بدون اسم

    ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام/ تكتب ضد الخمينية و تزيد مع ذلك مقولتهم المحبوبة "علي كرم الله وجهه" ألم تلاحظ أنها لا تقال إلا لعلي؟

  • بن دحان

    تطور ملحوظ - في كتاباتك-يستحق التنويه، على الأقل وضعت الطرفين في سلة واحدة .. وإن كان مازال بعض المهووسين بما يسمى بالثورة الإيرانية المخلِّصة! ينظرون بالمقلوب.
    جماعات بشرية ضخمة تسيَّر من طرف مليشيات مسلحة، لا همَّ لها إلا القتل والدمار، في غياب كلِّي للدول .. في لبنان، حيث لا رئيس، والمزابل تملأ المكان، واليمن حيث عصابات الحوثة، والعراق النموذج الأكبر للفوضى القاتلة،أما ليبيا فحدث ولا حرج ..
    الدولة ضرورية حتى ولو كانت ظالمة، كما قرر خليفة المسلمين الرابع سيدنا علي (كرم الله وجهه) منذ قرون ...