الابتزاز لتخفيف ضغط الامتياز
مع نهاية المرحلة الأولى من “وقف إطلاق النار” في غزة، التي لم يتوقف فيها العدوان ولو للحظة، وحتى من دون مكتسبات التفاهمات مقابل تسليم الأسرى والجثث، تتجه الأنظار حاليا إلى ما يقوم بها الوسطاء من محاولات ضغط على الكيان عبر “الوسيط”، الممثل الشرعي للكيان في مفاوضات وقف إطلاق النار وإنهاء العدوان.
الوسطاء العرب، ومنهم دولة قطر صرحت بأن الخروق المستمرة لوقف إطلاق النار تجازف بتوقف العملية والعودة إلى المربع الأول، بما يشي بأن الجانب القطري ومعه المصري مستاءان من محاولات الكيان التنصُّل والالتفاف على بنود اتفاق شرم الشيخ الذي وقِّع بمبادرة ومباركة الرئيس الأمريكي شخصيًّا. هذا من شأنه أيضا أن يشي بأن الضغط الأمريكي السابق على نتنياهو وإدارته لم يؤتِ أكله كل حين، وأن خداع الكيان برمته هو ديدنه، وأن رئيس وزراء الكيان المعروف تاريخيا بأنه لا عهد له ولا ضمان ولا أمان، وأن شيمته الغدر والانقلاب على كل التفاهمات الورقية وقلب الطاولة في أول خسارة لعبة قمار، ورمي المسؤولية على الطرف الآخر بناء على قاعدة “ضربني وبكي وسبقني واشتكى”، هو كائنٌ لا ثقة فيه ولا يمكن حتى للطرف الأمريكي الحليف الاستراتيجي له، أن يضع في سلَّته كل بيضه.
قناعة الرئيس الأمريكي بأن نتنياهو يتلاعب معروفة ومكشوفه وقد كشفها للمقربين منه في إدارته، لكن “الحب الاستراتيجي” بين الطرفين يجبر الطرف الحامي للحامية أن يغضّ الطرف عن “نُمير”، إذ إنه لا “كعبا” بلغ أحدهما أو كلاهما، ولا حتى “كلابا”، وأنه على الإدارة أن تجاري وتهادن وتضغط بقفازات من حرير. هذا القفاز، طالما كان عبر مساومات لا تفضي إلا إلى قرارات ظرفية صورية سرعان من تنتهي بخلق الكيان ذرائع لتبرير أي تراجع أو خروق لأي اتفاقات عادة ما تنسبها إلى الطرف الآخر، الطرف الفلسطيني.
الآن، وقد باتت المرحلة الأولى في حكم المنتهية حتى ولو أنها لم تطبَّق بالكامل، من جانب الكيان بالأساس، فإن الإدارة الأمريكية والوسطاء العرب باتوا يدفعون باتجاه تسريع وتيرة الانتقال إلى المرحلة الثانية، التي بات أيضا كل طرف يقرأ بنودها بتأويلات مختلفة ومن بينها نزع سلاح المقاومة العصيّ علي التنفيذ في المرحلة الأولى أساسا، لكنه ممكنٌ في نظر الوسطاء، ولو لم يكن بحسب تصوُّر الكيان الذي يريد للعملية أن تُجرى كما لو أنها “استسلام” وليست “تسليما” أو حتى “سلاما”. هذه المرحلة، سوف يصعب المراهنة على مدى نجاحها، لكونها مرتبطة بعُقد أخرى من قبيل: من يحكم غزة خلال المرحلة الانتقالية؟ وهذا في غياب موافقة دولية لتحمل عبء الحفاظ على أمن الكيان والمجازفة من خلال الاحتكاك مع المقاومة؛ لا دولة عربية تريد ذلك علانية ولا دول غربية، رغم الموقف الأمريكي الداعي لذلك عبر مجلس الأمن. غياب الآليات واستقلالية القرار الفلسطيني وأفق التسوية وخارطة طريق تقود نحو دولة فلسطينية مستقلة بحدودها المطالَب بها عربيا، في ظل رفض الكيان الاعتراف بدولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة وحدود معترف بها دوليًّا، من شأنه أن يصعِّب إيجاد حل توافقي، والمقاومة ستبقى سيدة الموقف طالما أنّ الاحتلال موجود. تصفية أبو شباب واستسلام العشرات من أنصاره للمقاومة يفيد بأن الرهان على الخيانة يخون المراهن عليه.
الضغط بالقفازات الحريرية، بدأ عبر التلويح بالعفو عن المجرم، مقابل قبول المرور سريعا إلى المرحلة الثانية، لكن ابتزاز نتنياهو سيُفسد هذا التوجُّه، لإصراره على عدم الاعتزال ولو تقدَّم المجرم بطلب العفو من مجرم.