الاحتفال بسقوط حزب فرنسا؟
نحتفل اليوم بالذكرى الخمسين لاسترجاع السيادة الوطنية، وانتهاء سريان “اتفاقيات إيفيان” وخروج حزب فرنسا من المؤسسة العسكرية سعيا إلى إخراجه من الإدارة الجزائرية، فكيف تسلل هذا الحزب إلى الجزائر؟ ومن عمره فيها؟ .
5 جويلية بين الاستقلال والاستسلام؟
حاولت فرنسا أن تربط يوم استرجاع السيادة الجزائرية بيوم الاستسلام للسيادة الفرنسية فاختارت يوم 5 جويليه 1962م لتثبيت نتائج حق تقرير المصير للشعب الجزائري، وهو اليوم الذي وقع فيه الأتراك وثيقة تسليم الجزائر إلى فرنسا الموافق لليوم نفسه من سنة 1830م، وحتى تعطي هذا اليوم دلالة خاصة قدم الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي (ختم الوثيقة) للداي حسين هدية للجزائر.
وإذا كانت فرنسا تصر على الاحتفاظ بالوثائق التي نهبتها أثناء احتلالها للجزائر فإن ديونها للجزائر ما تزال قائمة وبذور القمح الذي كانت الجزائر مشهورة بزراعته محفوظة في خزائنها، في حين أنها سربت إلى أسواق المزاد العلني أنواع آليات وأجهزة تعذيب الجزائريين خلال الثورة الجزائرية، وحزبها في الجزائر يحاول تضليل الرأي العام الجزائري والعربي بالادعاء بأن فرنسا تريد الحفاظ على وحدة الجزائر وإبعاد شبح الحرب الأهلية التي تهددها في حال إعادة الأرشيف إلى الجزائر.
والحقيقة التي لا يعرفها الكثير هي أن كل من عمل مع فرنسا قبل الثورة وأثناءها يتقاضى راتبا رسميا بالعملة الصعبة عبر اتفاق مبرم بين بنك جزائري وصندوق التقاعد الفرنسي وإن كان يصعب التفريق بين من كان عميلا لها وبين من أجبر على العمل في إدارتها.
أما بالنسبة لحزبها في الجزائر فإنه ارتبط باتفاقيات إفيان وهو السبب الذي جعل أعضاء البرلمان السابق من حزبي التجمع الوطني الديمقراطي وجبهة التحرير يمتنعون عن تجريم فرنسا .
قد يقول البعض هذا مجرد ادعاء لأن حزبها الحقيقي هم الضباط الذين كانوا في الجيش الفرنسي واستخدمهم الراحل هواري بومدين ضد معارضيه كما ورد في مذكرات عقداء الثورة الجزائرية الأحياء، ولكن هذا الحزب ما يزال متغلغلا في الإدارة الجزائرية وهو كلام لا يخلو من الصحة، غير أن المتأمل في مرحلة الرئيس السابق الشاذلي بن جديد يجد أنهم قد استخدموه للانتقام من قيادات الثورة والتضحية بهم من أجل البقاء في السلطة فقد استخدموا هؤلاء الثوار واجهة للحكم.
والحقيقة التي لا تقال أن الحكومات الوطنية التي تعاقبت على تسيير الشأن الجزائري منذ عام 1962م لغاية اليوم تسببت في تشويه الثورة بسبب استمرار الصراعات داخلها والتصفيات لرموزها، وتشير التقارير المسربة اليوم من أصحاب القرار في الجزائر أنهم تخلوا عن الخلافات حول الأشخاص الذين قد يترشحون لخلافة الرئيس عام 2014م، فجناح الرئاسة يكون قد تخلى عن المرشح المحتمل من جبهة التحرير، وجناح المصالح يكون قد تخلى عن المرشح المحتمل من حزب التجمع الوطني الديمقراطي، بمعنى أن المرشحين الاحتياطيين فقدوا الدعم من أصحاب النفوذ وبالتالي فالمرشح القادم سيكون من رجال الميدان وهو ما دفع بالرئيس إلى عدم الدفع بالإصلاحات إلى الأمام وإنما قد يحدث تغييرات طفيفة في الحكومة الحالية والإبقاء على الدستور الحالي مع تعديلات غير جوهرية.
إن عدم القيام باحتفال كبير في ملعب 5 جويلية وتعويضه باحتفال رمزي في سيدي فرج التي نزلت به الجيوش الفرنسية وآلياتها الحربية يهدف إلى إنهاء حزب فرنسا في المؤسسة العسكرية والرئاسة وهو رسالة واضحة إلى من يتمسكون بفرنسا كطرف فعال في معادلة الحكم في الجزائر، ولعل هذا التوافق بين الرئاسة والمؤسسة العسكرية على عدم دعم أي مرشح يعود إلى التقارير الأمنية التي تشير إلى وجود غليان في الشارع الجزائري وأنه بإمكان وجوه سياسية جديدة أن تحتويه وتضمن استقرار البلاد بالانتقال إلى جمهورية ثانية.