الاحتكام إلى الشعب.. أو تقسيم البلد
أنهت أمس الأزمةُ السورية عامها الخامس، و”دشّنت” عامها السادس ببدء محادثات “جنيف 3” بهدف اتفاق طرفي الصراع في سوريا على خطّة تسويةٍ سلمية قدّمها المبعوث الأممي، ديميستورا، بموافقة روسيا وأمريكا، قوامها مرحلة انتقالية تستمرّ 18 شهرا، وتنتهي بانتخاباتٍ رئاسية وبرلمانية يحتكم فيها النظامُ والمعارضة إلى الشعب لإنهاء صراعهما على الحكم بالسلاح طيلة 5 سنوات بلا طائل.
الحلّ الذي قدّمه ديميستورا، بعد أن اتفقت عليه روسيا وأمريكا، مثاليٌ في الواقع، وكان يجب أن يوافق عليه الطرفان دون تردّد؛ فما دام السلاح قد عجز عن تحقيق الحسم لأي طرف على حساب الآخر طيلة 5 سنوات شارفت فيها سوريا على الانهيار والتفكّك، فإن الاحتكام إلى الشعب في هذا الصراع عن طريق انتخاباتٍ حرّة تحت مراقبةٍ دولية صارمة، هو المخرج الصّحيح للأزمة، ولكن هذا الحلّ لم يُرضِ الطرفين معا برغم ادّعاء كل منهما تمثيلَ الشعب؛ فالنظام يرى أن الرئيس الأسد “خط أحمر” ولن يقبل التفاوض بشأنه في “جنيف 3″، والمعارضة تصرّ على رحيله في بداية المرحلة الانتقالية.
هذا التباين في المواقف يؤشِّر لانهيار سريع لمفاوضات “جنيف 3″، لكن المنتظر أن تضغط روسيا على النظام السوري، وتضغط أمريكا بالمقابل على المعارضة لإجبارهما على قبول خطة ديميستورا.
وفي هذا السياق، يمكن فهمُ قرار روسيا المفاجئ بسحب قواتها الجوية الرئيسة من سوريا، وقد كان لهذه القوات دورٌ حاسم في ترجيح كفة النظام في كافّة جبهات القتال منذ بداية تدخّلها في 30 سبتمبر 2015، ولكن حينما لاحظت روسيا أنّ حليفها السوري يريد استغلالها لترجيح خيار الحلّ العسكري للأزمة وإفشال “جنيف 3” مبكّرا، أعلنت سحب طائراتها، بهدف الضغط على الأسد لقبول المرحلة الانتقالية والانتخابات بعد 18 شهرا، التي ستضمن له “خروجاً مشرّفاً” من الحكم، أو بقاءه إذا فاز بالانتخابات، وإن كان هذا الاحتمال مستبعَدا.
ومع أن المعطيات تؤكِّد أنّ القوّتين العظميين ستفرضان خطتهما على النظام والمعارضة معا كما فرضتا عليهما وقف القتال، فإنّ هناك احتمالاً بأن يبقى كل طرف، أو أحدُهما، متصلبا ويرفض خطة ديميستورا ويصرّ على فرض وجهة نظره، ويعتمد على نصرة حلفائه الإقليميين له لحسم الحرب لصالحه، فتفشل محادثاتُ جنيف وتنهار الهدنة وتعود الحرب مجددا، ولكن يُستبعد أن يتحقق فيها الحسمُ لصالح أي طرف، والأرجح أن تنتهي بتقسيم سوريا، وهو ما لا تعترض عليه روسيا التي تحدثت منذ أيام عن “سوريا الفدرالية” فضلاً عن أمريكا ودولٍ غربية عديدة.
أمام السوريين إذن، سلطة ومعارضة، فرصة ثمينة قد لا تتكرر لتحقيق السلام وفق خطة ديميستورا، فإمّا أن يغتنماها ويحتكما إلى الشعب السوري المنهَك الذي يريد نهاية الحرب لتضميد جراحه والشروع في إعادة بناء وطنه، أو العودة إلى الحرب، ومن ثمّ يصبح التقسيم الفدرالي حتما مقضيا على سوريا، وتُمحى من الخريطة لصالح دويلاتٍ صغيرة ضعيفة متناحرة تشكّل أنموذجا مخيفا لما ينبغي أن يكون عليه لاحقا “الشرق الوسط الجديد” الذي تحدّث عنه بوش بعد احتلال العراق في عام 2003.