الاستعمار الأحول
تتكلم أجهزة إعلام الولايات المتحدة وحلفائها عن داعش، فيما هي تسير إلى تنفيذ خطة لأهدافأخرى.. يحضرني قول الشيخ الرئيس البشير الإبراهيمي، وهو يصف الاستعمار: “الاستعمار حيوان أحول ينظر إلى وهران وعينه على طهران”.. لم أجد أدق وصفا من هذا القول لما تعلنه الإدارة الأمريكية وهي تتحدث عن داعش والتطرف، فيما هي عينها على أشياء أخرى.. وبعيدا عن تصرياحات وزارة الخارجية الأمريكية التي تحاول تجنب الألفاظ الموحية بالرغبة الاستعمارية والجنوح اللفظي نحو تذكير بأهداف استراتيجية استعمارية.. بعيدا عن الجهات الدبلوماسية نصطدم بتصريحات القادة العسكريين والأمنيين الأمريكان وهم يتحدثون بأرقام وعن خطط تفضح النوايا الاستعمارية وتكشف عن حقيقة التوجه الغربي الإمبريالي..
ففي قاعدة “أندوز” الجوية قرب واشنطن عقد قادة جيوش 22 دولة ضمن التحالف الدولي لمحاربة داعش اجتماعهم قبل يومين لبحث استراتيجية المواجهة.
ونقل عن مصادر أمريكية موثوقة أن واشنطن تسعى إلى الضغط على الدول العربية في هذا الاجتماع لدفعها إلى نشر قوات برية داخل سوريا والقيام بالمزيد من الجهود العسكرية لوقف تقدم مسلحي “داعش”.
في غضون ذلك، تحدث الجيش الأمريكي لأول مرة بتفاؤل عن فاعلية الضربات الجوية في مدينة كوباني (عين العرب) السورية قرب الحدود التركية. وقال إن طائرات التحالف نفذت 21 ضربة جوية في المدينة، وإنها تمكنت من “إبطاء” تقدم التنظيم.. ومن جهة أخرى، أكد قيادي كردي في “كوباني” أن ضربات الحلفاء مكنتهم من رفع علمهم “علم وحدات حماية الشعب” بدلا من علم “داعش”.
الغريب أن داعش تتقدم في كل اتجاه في العراق وسوريا. فهي في العراق قد استكملت سيطرتها على محافظة الأنبار. وتكون سيطرت على قاعدة جوية “عين الأسد” في المحافظة وتقترب من العاصمة بغداد بل على أطرافها.. يأتي ذلك بعد أيام من سيطرة مسلحي التنظيم على معسكر في قضاء هيت بالمحافظة ذاتها.
على صعيد التصريحات السياسية، يأتي تصريح أوباما: “المعركة ضد داعش ستكون طويلة الأمد وستتخللها إخفاقات..” ليكشف أنهم كما صرح مسؤول أمريكي كبير يحتاجون إلى عشرات السنين ومئات المليارات من الدولارات التي على العرب التكفل بتسديد معظمها.
الحديث يتم عن داعش، فيما القوات الأمريكية تقصف في العراق وسوريا وتوجه حركة داعش لكي تسيطر على مساحات شاسعة تصبح فيما بعد أرض عمليات للأطلسي تسيطر على موقعها الاستراتيجي للسيطرة مباشرة على النفط والأخطر من النفط، حيث يتم التوجه الآن لتقسيم جديد في المنطقة على أسس طائفية وقومية..
لقد استطاع الإعلام الإمبريالي أن يضخم داعش لتكون الحرب عليها شعارا يستحق التفرغ لإنجاز المهمة التاريخية.. وسيقوم الغرب بتلك المهمات بأموال العرب وبقتل أبناء العرب أنفسهم بأنفسهم.. وما الدعوة الأمريكية إلى دخول الجيوش العربية إلى سوريا وضغطها المتواصل على الأنظمة العربية الحليفة إلا لإشعال نار حرب إقليمية وتشتيت الجهود من جديد بعيدا عن أي اتفاق سوري- سوري للتخلص من الهم الكبير الذي أرهق البلد ومؤسساته وضرب المجتمع في صميم نسيجه الاجتماعي.
الآن سيدفع بجيوش بعض الدول العربية كما دفع بطيرانها العسكري إلى الحرب على الأرض السورية وكما دفع بأبنائها في تنظيم داعش، فالقاتل والمقتول سيكونان عربيين بمال عربي وإمكانات عربية. وسترفع في هذه المعركة كل الرايات القومية والطائفية والجهوية وسينهمك الجميع بهذه الحرب الإعلامية والسياسية والعسكرية وستستنزف الأموال وتنحرف الجهود سنوات طويلة كما صرح بذلك الأمريكان، فقد تحتاج عشرات السنين.
ما نسمعه هذه الآونة من قادة إسرائيل وقادة أمريكا والغرب حول الحرب وتفصيلاتها واحتمالات تطور التحالفات وانتقال المواقع يعني بوضوح أن هناك مخططا تفصيليا وله سيناريوهات متنوعة ولن يكون هناك مستبعدا في هذه التحالفات.. والهدف الأساس بعثرة المنطقة وإعادة تشكل إثنياتها على أسس جديدة.. والوقت المعطى للمشروع كاف والإمكانات المادية المطلوبة كافية.. إن كل ذلك يعني بوضوح أننا في مواجهة مصيرية سترسم معالم مستقبل أبنائنا.. تولانا الله برحمته.