الرأي
إصلاح الفكر والسياسة

الاسلاموية والشعوذة

نور الدين بوكروح
  • 5184
  • 0

في‮ ‬القرن الثامن عشر،‮ ‬نطق الكيميائي‮ ‬الفرنسي‮ ‬الكبير لافوازييه‮ (‬Lavoisier‮) ‬بمقولته الشهيرة‮: “‬في‮ ‬الطبيعة لا شيء‮ ‬يفقد،‮ ‬ولا شيء‮ ‬يخلق،‮ ‬بل كل شيء‮ ‬يتحول‮”.‬‭ ‬وفي‮ ‬عالم الأفكار أيضا تسري‮ ‬الأمور بنفس الشكل تقريبا،‮ ‬حيث أن الأفكار لا تزول بل‮ ‬يوجد منها ما‮ ‬يتحول ليتكيف مع ضرورات الحياة،‮ ‬فيصبح حافزا،‮ ‬فمؤسسات تحافظ على القيم،‮ ‬خدمة لسعادة البشر والانسجام بينهم‮. ‬كما‮ ‬يوجد منها ما‮ ‬يعمل على عرقلة تلك السعادة وذلك الانسجام وإن على المدى البعيد‮. ‬تبقى خامدة في‮ ‬أعماق الذهنيات ودهاليزها،‮ ‬متربصة فرصة تراجع العقلانية وضعف الإجراءات الوقائية كي‮ ‬تستعيد نشاطها،‮ ‬مثلها في‮ ‬ذلك مثل الفيروسات التي‮ ‬تتكيف بحثا عن ظروف ملائمة لتبقى حية وتستأنف مهمتها المؤذية،‮ ‬بمجرد توفر البيئة المناسبة‮. ‬

لم تزل الشعوذة،‮ ‬عكس ما كنا نعتقد،‮ ‬وذلك رغم الجهود التي‮ ‬بدلتها جمعية العلماء الجزائريين لاستئصالها من المجتمع على مدى نصف قرن‮. ‬وها هي‮ ‬تعود بسرعة مذهلة وبسهولة عجيبة منذ العشرينيات الأخيرة،‮ ‬حيث نراها تتواصل بشكل مختلف في‮ ‬كنف الإسلاموية،‮ ‬وكأننا عدنا لنعيش من جديد زمن ازدهارها في‮ ‬وطننا مثلما كان عليه الحال بين القرن الخامس عشر ميلادى و1930،‮ ‬سنة احتفال الاستعمار بمئوية وجوده في‮ ‬الجزائر‮.‬

إن بلدنا الذي‮ ‬خاض حربا تحريرية عظيمة واستعاد سيادته مقابل تضحيات جسام،‮ ‬وأنفق ألف مليار دولار منذ الاستقلال ليتطوّر،‮ ‬بحيث خصص الجزء الأكبر منه لتربية وتكوين‮ ” ‬الجزائري‮ ‬العصري‮” ‬وجد نفسه بالنهاية قد عاد إلى أكثر العصور ظلامية منذ انحطاط العالم الإسلامي‮ ‬وحقبة الاستعمار الذي‮ ‬اتخذ من الشعوذة مساعدا متطوّعا له‮.‬

ثبت لنا أن ما اعتبرناه‮ ‬يوما مكاسب أكيدة لا رجعة فيها،‮ ‬لم تكن سوى جهود عقيمة وحرث في‮ ‬البحر‮. ‬قامت الشعوذة بقفزة عمودية مدهشة أوصلتها إلى سدة الحكم في‮ ‬البلاد،‮ ‬في‮ ‬حين كانت قفزة وريثها المتبلد،‮ ‬الإسلام السياسي،‮ ‬أفقية وضخمة أيضا مسّ‮ ‬تأثيره شريحة واسعة من المجتمع‮. ‬فهو ليس فقط وريث الشعوذة بل نسخة عنها أيضا،‮ ‬وأسوأ منها مستعملا في‮ ‬ذلك وسائل اليوم من تكنولوجيات وأسلحة‮… ‬

هما اليوم اثنان،‮ ‬كيانان فيروسيان،‮ ‬يقبضان كفكي‮ ‬كماشة على المجتمع الجزائري،‮ ‬ويعملان على تعقيمه نهائيا ويصبح بذاته طالبان أو‮ “‬داعش‮”. ‬يجب أن نعيد بناء كل شيء‮ ‬يوما،‮ ‬لكن إذا صمدت الجزائر وفلتت من مصير رهيب سقط فيه الصومال وأفغانستان وليبيا وسوريا والعراق،‮ ‬والخيار واسع كما نرى،‮ ‬وهو أمر‮ ‬غير مستبعد ولا مستحيل‮. ‬خاصة إذا جف بترولنا قبل الأوان وهو الأمر الذي‮ ‬ليس بالمستبعد أيضا‮.‬

الفرق الوحيد بين الإسلاموية الحالية والشعوذة القديمة هو أن هذه الأخيرة لم تكن دموية،‮ ‬لم تقتل الناس واكتفت منهم بشل عقولهم واغتيال كل عقلانية فيهم،‮ ‬في‮ ‬حين‮ ‬يحبذ الأول أن‮ ‬يجمع بينهما ما استطاع إلى ذلك سبيلا‮. ‬فتكاتف الاثنان ونجحا في‮ ‬إحياء جمهور متعطش لكل ما هو مقدس،‮ ‬من القاعدة إلى القمة،‮ ‬شعبا وحكاما،‮ ‬لكي‮ ‬يمررا رسالتهما المشبوهة وخطابهما المبهم‮. ‬لقد استعاد رواد هذه الظاهرة المناخ السحري‮ ‬الملائم لتسويق حيلهم وخداعهم،‮ ‬فضلا عن إحيائهم ممارسات تفننوا من خلالها في‮ ‬العبث بآلام الناس ومعاناتهم كما كان الأمر قبل ظهور الطب العمومي‮.‬

في‮ ‬عهد الإمام عبد الحميد بن باديس،‮ ‬كانت تقف فئات عريضة من الشعب فاغرة فاها أمام كل من‮ ‬يحكي‮ ‬لها خرافة ما،‮ ‬تؤمن بالمعجزات وتتبع كالأنعام مواكب المشعوذين‮. ‬كانت تبجل كل من‮ ‬يلقب بـ”سيدي‮” ‬أو‮ “‬مولاي‮” ‬أو‮ “‬شيخ‮” ‬وتعتبره مالكا بركات‮ ‬يدرها على من‮ ‬يصدقه‮. ‬كان هؤلاء المخدرون‮ ‬يشربون كلامهم كالماء المبارك ويجمعون شعرات لحاهم إذا كانت لديهم كالحرز‮ ‬يتبركون بها أيضا‮. ‬إنه الجمهور الذي‮ ‬وصفه بن باديس بـ”الشعب الذي‮ ‬يجمعه الطبل وتفرقه العصا‮”‬‭. ‬كان شعبا‮ ‬يهوى‮ “‬البخور‮” ‬و”الجاوي‮”‬،‮ ‬و”الطلبة‮” ‬الذين‮ ‬يداوون الأرواح والأبدان،‮ ‬والحكاواتي‮ ‬الذي‮ ‬يدخل في‮ ‬نشوة بإيقاع شيطاني‮ ‬من البندير،‮ ‬وملاعبي‮ ‬الثعابين الذين كنت،‮ ‬وأنا صغير،‮ ‬أذهب لمشاهدتهم في‮ ‬ساحة‮ “‬أيالة الجزائر‮” (‬ساحة الشهداء حاليا‮).‬

انتشروا في‮ ‬كل مكان،‮ ‬في‮ ‬المدن،‮ ‬والأحياء والقرى،‮ ‬منهم الأبيض والأسود،‮ ‬والمنافق المتملق أو النذل المريب،‮ ‬يرتدون‮ ‬‭”‬برنوسا‮” ‬أو‮ “‬ڤندورة‮”‬،‮ ‬ويستعرضون أمام الحشود المبتهجة أو المنبهرة الطبول والبنادير و”القرقابو‮” ‬والكثير من الأشياء‮ ‬يعزى لها تأثيرا سحريا وحاميا والموروثة من الحقبة العثمانية أو تلك التي‮ ‬جلبت من‮ “‬تومبوكتو‮” ‬‭(‬Tombouctou‭)‬‮ ‬الأسطورية‮. ‬

يعتقد مالك بن نبي‮ ‬أن الحضارة الإسلامية انحرفت عن مسارها في‮ ‬السنة‮ ‬57‮ ‬هجرية وهي‮ ‬سنة المواجهة بين معاوية وعلي‮. ‬فبالنسبة له،‮ ‬انتهت‮ “‬مرحلة الروح‮” ‬حينها لتحل محلها‮ ‬‭”‬مرحلة العقل‮” ‬والتي‮ ‬استمرت إلى حقبة ابن خلدون ثم إلى‮ ‬‭”‬مرحلة الانحطاط‮” ‬التي‮ ‬توفي‮ ‬هو قبل تمامها‮. ‬أراد مالك بن نبي‮ ‬من كل هذا أن‮ ‬يقول إن الحضارة الإسلامية لم تقم لها قائمة منذ ذاك لتقع،‮ ‬ألفية من بعد،‮ ‬في‮ ‬قبضة الشعوذة‮. ‬حالها في‮ ‬ذلك حال الطائرة التي‮ ‬فقدت خطة سيرها عند الإقلاع،‮ ‬فتهوى بمن فيها من علو آلاف الأميال‮.‬

يقترح بن نبي‮ ‬علينا مثالا ملموسا إذ‮ ‬يقول‮: “‬إن الجهد الفكري،‮ ‬بمعنى الجهد الذي‮ ‬يخلق أفكارا،‮ ‬تم التأسيس له من أولى تعاليم الإسلام بهذا الحديث‭”‬،‮ ‬إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران،‮ ‬وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر‮”. ‬ها هو النموذج الحي‮ ‬عن توجيه جهود الأجيال الأولى للإسلام إلى تحرير العقول والتي‮ ‬أثرت بذلك على التراث الإنساني‮ ‬في‮ ‬مجال الفكر النظري‮ ‬الصرف،‮ ‬كما في‮ ‬مجال العلوم التطبيقية‮. ‬لكن،‮ ‬قرون بعد ذلك،‮ ‬غيرت المجتمعات الإسلامية سلوكها تماما تجاه الفكر والاجتهاد‮. ‬بل في‮ ‬حقيقة الأمر،‮ ‬نجد أنها عكست المبدأ واتخذت طريقا مشت فيه الأجيال الأخيرة إلى‮ ‬يومنا هذا‮ – ‬وهو‮ ‬يتعلق بالقرآن‮-: “‬تفسيره خطأ وخطؤه كفر‮”‬‭. ‬

يواصل بن نبي‮ ‬قائلا‮: “‬هذا المبدأ‮ ‬يعتبر حائلا حقيقيا أعاق كل جهد فكري‮ ‬وشله في‮ ‬العالم الإسلامي‮ ‬خاصة وأن المدارس الفكرية كانت تبني‮ ‬اجتهادها وتفكيرها من منطلق قرآني،‮ ‬كمدرسة المعتزلة التي‮ ‬أغنت كثيرا الفكر الإسلامي‮. ‬المدرسة الإصلاحية بدورها منذ رائدها الأول محمد عبده وعت نوعا ما أن العقل المسلم قد‮ ‬غاص في‮ ‬وحل من الجمود‮. ‬لكن لإخراجه منه كان‮ ‬يجب منحه دافعا روحانيا قويا،‮ ‬كما فعل مارتن لوثر‮ (‬Martin‮ ‬Luther‮)‬‭ ‬وجان كالفين‮ (‬Jean Calvin‮) ‬في‮ ‬أوروبا،‮ ‬أو إخضاعه لثورة فكرية كالتي‮ ‬قام بها رينيه ديكارت‮ (‬René‮ ‬Descartes‮)‬،‮ ‬بمعنى أن تعطيه بشكل أو بآخر وثبة إبداعية للأفكار‮. ‬لم تعرف المدرسة الإصلاحية كيف تحدث تلك الثورة ولا ذلك الإصلاح،‮ ‬لأنها سقطت بدورها في‮ ‬الوحل وهي‮ ‬تصرخ منه‮ ‬‭”‬أن العالم الإسلامي‮ ‬يغرق‭!”‬

إنّ‮ ‬الإسلاموية والشعوذة هما سبب بقاء المسلمين في‮ ‬الفوضى الفكرية التي‮ ‬يتخبطون فيها‮. ‬سيخرجون من هذا النفق متشرذمين تشرذما سياسيا وجغرافيا،‮ ‬وسيكون أمامهم أحد هذين الخيارين‮: ‬فإمّا أن‮ ‬يتخلّوا عن دينهم ويتركوه بين‮ ‬يدي‮ ‬جنون الجهل والوحشية الذي‮ ‬سيؤدي‮ ‬به إلى الدمار الشامل،‮ ‬وإمّا أن‮ ‬يسلكوا سبيل الإصلاح كي‮ ‬يصبح الإسلام مؤهلا للتعايش مع مختلف الشعوب والحضارات والأديان والثقافات المتواجدة على وجه الأرض‮. ‬وإذا اختاروا ذلك،‮ ‬فإنهم سيشاركون في‮ ‬انتقال العالم إلى مرحلة الحضارة الكونية بدلا من أن‮ ‬يضمحلّوا ويسقطوا بأجسادهم وممتلكاتهم في‮ ‬الفوضى العارمة‮. ‬

لا‮ ‬يزال العقل المسلم‮ ‬يدور في‮ ‬حلقة مفرغة،‮ ‬سجين جاذبية جعلته‮ ‬يلتف حول نجم ميت‮ ‬يحمل اسم‮ “‬الانحطاط‮”. ‬فالشعوذة والإسلاموية كلاهما‮ ‬ينحدر مباشرة من الموقف‮ “‬الفكري‮” ‬المبني‮ ‬على المبدأ المذكور آنفا،‮ ‬ويتجلى في‮ ‬منهج فكري‮ ‬ونموذج المجتمع الذي‮ ‬يقترحانه‮. ‬فكم ردّد علماء المشرق هذا الأخير على مسامعنا مرارا وتكرارا‮ ‬‭”‬تفسيره خطأ وخطؤه كفر”؟

لم تعُدِ‮ ‬الثقافة الإسلامُية إلاّ‮ ‬سجلاًّ‮ ‬لأفكار بلا روح،‮ ‬ولم‮ ‬يبق منها‮ ‬غيرُ‮ ‬الآثار حسب تصوير مالك بن نبي‮ (“‬la culture‮ ‬islamique est devenue une archéologie‮”)‬‭. ‬صارت‭ ‬عائقا دون التطور والنمو المعرفي‮ ‬والحرية والذكاء،‮ ‬صارت تعيق فعل الخير وقول الحق،‮ ‬وتذوّق الجمال‮. ‬وعن قريب سيظهر ديننا للغير ـ وبسبب عدم مسايرته للزمن ـ كخلاصة لكل ما هو خاطئ وقبيح وضار‮. ‬إن المسلمين‮ ‬يعيشون في‮ ‬عصر العلوم الدقيقة بأفكار أبي‮ ‬هريرة‮. ‬فأمامهم خياران‮: ‬فإما الاضمحلال البطيء،‮ ‬لكنه أكيد،‮ ‬وإمّا ثورة ذهنية بالغة الصعوبة،‮ ‬لكنها تؤمن لهم مستقبلا‮.  ‬

أينما وُجِدتْ‮ ‬جماعات بشرية حريصة على التقدم والانسجام الاجتماعي‮ ‬واحترام حقوق الإنسان،‮ ‬نجد أن الثقافة الاجتماعية وفن التعايش الجماعي‮ ‬والمعرفة العلمية هي‮ ‬مظاهر الحياة الشائعة والمدروسة في‮ ‬المؤسسات التعليمية،‮ ‬والمعمّمة على كافة أفراد المجتمع،‮ ‬وليس ثقافة الموت أو عذاب القبر وكراهية الغير‮. ‬ولم‮ ‬يتقدّم شعب بتعليم أولاده اتباع الأجداد لكونهم صحابة شيفا‮(‬Shiva‮)  ‬أو موسى أو كونفوشيوس‮ (‬Confucius‮)  ‬أو بوذا‮(‬Bouddha‮)  ‬أو المسيح،‮ ‬أو أي‮ ‬عَلَمٍ‮ ‬آخر من أعلام التاريخ البشريّ،‮ ‬بتقديسهم وتقليد أفكارهم في‮ ‬الحاضر والمستقبل،‮ ‬والالتزام الحرفي‮ ‬بالتأويلات السطحية التي‮ ‬أعطوها لنصوص مقدسة منزلة أو نصوص من تأليف البشر منذ فجر التاريخ‮.‬

‭ ‬إنّ‮ ‬أكثر الكتب رواجا في‮ ‬الأسواق هي‮ ‬الكتب الدينية في‮ ‬البلدان الإسلامية لأنها تعفي‮ ‬الرجال والنساء من مهمة التفكير واتخاذ قرارات في‮ ‬حياتهم،‮ ‬وبالتالي‮ ‬فإنها تعفيهم من المسؤولية‮. ‬إنهم‮ ‬يتعلمون منها لماذا وكيف‮ ‬يجبُ‮ ‬أنْ‮ ‬يُطاع الله والرسول وأولو الأمر والصحابة وأتباعهم وأتباع أتباعهم،‮ ‬وكيف ولماذا‮ ‬يجب أن‮ ‬يطاع‮ “‬ورثة الأنبياء‮” ‬وإمام المسجد وشيوخ الإيديولوجيات المشهود لهم،‮ ‬والدعاة المشهورون‮.‬

إنها كتب تُحدِّثهم عن الجنِّ،‮ ‬جيرانهم‮ ‬غير المرئيين،‮ ‬وعن تدخلها وانغماسها في‮ ‬حياتهم وأفعالهم وقراراتهم،‮ ‬وعن العقوبات الجسدية التي‮ ‬تنتظرهم إذا خالفوا الأوامر،‮ ‬ثُمَّ‮ ‬تُمْلِي‮ ‬عليهم ما‮ ‬يجب القيام به‮: ‬التوبة من الأعمال السيئة والأفكار الخبيثة،‮ ‬والإكثار من البكاء‮… ‬وجزاء ذلك كله أن تُمنح لهم كل الأشياء التي‮ ‬حرمت عليهم في‮ ‬هذه الحياة الدنيا،‮ ‬وأن‮ ‬يُرزقوا بها بغير حساب في‮ ‬الدار الآخرة‮.‬

إنّ‮ ‬الفرد المسلم الناتج عن هذه القولبة المكيفة،‮ ‬وعن هذا التدويخ الشامل،‮ ‬مبرمج للاكتفاء بالاهتمام بفلاحه الشخصي‮ ‬في‮ ‬الدنيا والآخرة‮. ‬لم‮ ‬يَحْظَ‮ ‬بتعلَم الروح الاجتماعية والحياة الجماعية والواجبات العامة والخير العمومي‮ ‬واحترام الآخرين مهما كانت مشاربهم،‮ ‬وكل ما تَعَلّمَهُ‮ ‬هو العبادات التي‮ ‬تُقَرِّبُ‮ ‬من الله والأفعال التي‮ ‬تأتي‮ ‬بـ‮ (‬الحسنات‮). ‬إنّ‮ ‬الكتب التي‮ ‬تدعو إلى هذا النهج متوفرة بمختلف السبل،‮ ‬فإن افتقدنا الرغبة أو القدرة على قراءتها والاطّلاع على محتواها،‮ ‬فبإمكاننا الاطلاع على تعاليمها وتوجيهاتها مجانا في‮ ‬بيوتنا عبر قنوات التلفزة على أفواه أشخاص ذوي‮ ‬مظهر مُخيف،‮ ‬مفَوَّهين وجهَلَة‮.‬

‭ ‬كيف لنا أن نأمل في‮ ‬إنتاج فرد عادي‮ ‬ومتوازن،‮ ‬أو مواطن مؤمن بفكرة الخير العمومي،‮ ‬أو نموذج بشري‮ ‬يعيش منسجما مع الآخرين،‮ ‬كيف لنا أن نأمل ذلك من تلك الثقافة المصطبغة بلون الموت،‮ ‬ومن الإرهاب اللفظي‮ ‬والمعنوي‮ ‬والفكريّ‮ ‬والذهنيّ‮ ‬والاجتماعي‮ ‬والجسدي‮ ‬والسياسيّ؟ إنّ‮ ‬الإنسان الناتج عن تلك الثقافة‮ ‬يكون جاهلا باحترام تعدد المعتقدات،‮ ‬ويرى في‮ ‬الديانات الأخرى ضروبا من الانحراف،‮ ‬رافضا لمفهوم تبادل الأفكار والمشاعر،‮ ‬وهو المفهوم الذي‮ ‬ينبني‮ ‬عليه التعايش السلميّ‮ ‬بين البلدان،‮ ‬وهو لا‮ ‬يؤمن بالقانون الدوليّ‮ ‬إلاّ‮ ‬في‮ ‬الحدود التي‮ ‬تضمن له مصلحته هو‮. ‬إننا في‮ ‬هذه العجالة التي‮ ‬وصفنا فيها كيف صُنِعَتْ‮ ‬تلك الرؤية الغريبة للعالم،‮ ‬رؤية متردية ومتقهقرة،‮ ‬جنونية ومنافقة،‮ ‬إننا بهذا نكون قد بيَّنَّا المجالات التي‮ ‬ينبغي‮ ‬أن‮ ‬يمسَّها الإصلاح‮.  ‬

تعتقد الإسلاموية أن الإسلام هو كيان واحد منذ ظهوره‮. ‬لكن إذا كان الإسلام واحدا لما تعددت الإسلاموية؟ لماذا توجد عديد الأحزاب في‮ ‬الجزائر وباقي‮ ‬البلدان الإسلامية إذا كانت الحقيقة التي‮ ‬يدعون امتلاكها واحدة؟ لماذا تعددت أيضا الحركات الإرهابية بل وتصارعت فيما بينها في‮ ‬كثير من الأحيان؟ هل الاختلاف حقا في‮ ‬البرامج أم في‮ ‬حامليها؟ وكلنا‮ ‬يعلم أنه لا وجود لما‮ ‬يسمى ببرنامج إسلاموي‮ ‬وسوف نعود لاحقا للموضوع‮.‬

لقد فقدت قضية الشعب الفلسطيني‮ ‬مكانتها في‮ ‬نفوس الشعوب التي‮ ‬كانت تساندها منذ أن انقسم الشعب الفلسطيني‮ ‬بين مسلمين إسلامويين ومسلمين وفقط‮ (‬دون أن ننسى المسيحيين‮). ‬لقد انشقت إلى دولتين قبل حتى أن ترى الدولة الفلسطينية الحقيقية النور‮. ‬تحت ذريعة‮ “‬المقاومة‮”‬،‮ ‬جزأتها الإسلاموية إلى فرعين متعاديين،‮ ‬الأول مقره‮ ‬غزة والثاني‮ ‬رام الله،‮ ‬تحت مراقبة السلطات الإسرائيلية طبعا‮. ‬فمن كان‮ ‬يحلم في‮ ‬إسرائيل بهذا السيناريو وبهذه الهدية؟ فأدار العالم بظهره للقضية،‮ ‬فسمح ذلك للحكومة الصهيونية باستغلال الوضع لمزيد من الانتهاكات والاستيلاء على الأراضي‮ ‬حتى‮ ‬يصل اليوم الذي‮ ‬لن تكون هناك دولة اسمها فلسطين على الخريطة‮. ‬وتبقى الإسلاموية تحوم فوق مياه نهر الأردن أو على البحر المتوسط كروح القدس حسب الروايات الإنجيلية‮.‬

لماذا المسلمون الحساسون جدا لكلمة‮ “‬سلف‮”‬،‮ ‬والتي‮ ‬أنتجت‮ ‬‭”‬السلفية‮”‬،‮ ‬اتبعوا مبدأ معاوية وتركوا مبدأ أبي‮ ‬بكر؟ ببساطة،‮ ‬لأن العلماء والفقهاء أخفوا المبدأ‮ “‬الديمقراطي‮” ‬خوفا من العصا أو كمجاملة لها،‮ ‬مقابل منحهم حق جمع الجماهير حول دروسهم وفتاواهم‮. ‬كما شرعوا في‮ ‬تغيير وتحويل المعاني‮ ‬والتفاسير كما فعلوا مثلا مع مقولة‮ “‬طاعة‭ ‬ولي‮ ‬الأمر من طاعة الله‭” ‬أبلغ‮ ‬مثال‮. ‬لقد فعلوا‮  ‬بالقرآن والأحاديث الشريفة ما فعله المستبدون بدساتيرهم‮. ‬

الجميع‮ ‬يعرف الحجة التي‮ ‬يسوّق لها أجيال من‮ “‬العلماء‮” ‬والمفكرين المسلمين‮: ‬يمكننا أن نتطوّر دون أن نغير شيئا في‮ ‬ثقافتنا وشخصيتنا،‮ ‬وأفضل نموذج‮ ‬يتشدقون به هو اليابان‮. ‬غير أن‮ ‬يابانيا مختصا في‮ ‬شؤون العالم العربي‮ ‬قدم شرحا عن اليابانيين أفحم به هذا البرهان اللامع‮. ‬هو الياباني‮ ‬المعرب والسفير‮ “‬نابواكي‮ ‬نوتوهارا‮” ‬والذي‮ ‬قضى أربعين سنة من عمره في‮ ‬شبه الجزيرة العربية وترجم عديد الكتب من العربية إلى اليابانية‮. ‬ومن الكتب التي‮ ‬قام بنشرها منذ بضع سنوات،‮ ‬كتاب عنوانه‮ “‬العرب من وجهة نظر اليابانيين‮” ‬حيث كتب قائلا‮:‬‭ ‬

‭”‬في‮ ‬كل مرة‮ ‬يلتقي‮ ‬فيها العرب في‮ ‬مؤتمر علمي‮ ‬ويذكر اسم اليابان،‮ ‬يقارن المشاركون التجديد الياباني‮ ‬بالتجديد العربي‮ ‬كما‮ ‬يتمنونه‮. ‬إنهم‮ ‬يؤكدون على أن اليابان نجح في‮ ‬الانتقال إلى عصر جديد مع المحافظة على ثقافته‮. ‬كما لو أنهم‮ ‬يبحثون عن حجج أو‮ ‬يبررون لأنفسهم بالقول‮: “‬يمكننا ولوج عصر الحداثة والعولمة والإنتاج دون التخلي‮ ‬عن ميراثنا الاجتماعي‮ ‬وبالمحافظة على النموذج السياسي‮ ‬التقليدي،‮ ‬والمعايير السلوكية التي‮ ‬لا مكان لها في‮ ‬عالم اليوم‮”‬‭. ‬وإذا وضحنا لهم أن اليابانيين دخلوا العصر الحديث‮  ‬لأنهم في‮ ‬الحقيقة ابتعدوا عن النموذج السياسي‮ ‬والسلوك الاجتماعي‮ ‬الذي‮ ‬تعوّدوا عليه وأنهم تبنوا أفكارا جديدة،‮ ‬يندهش بعض العرب ويرفضون حتى قبول هذه الحقائق‮… ‬في‮ ‬اليابان،‮ ‬كل‮ ‬يوم‮ ‬يحمل معه حصيلته من الإحداث الجديدة،‮ ‬في‮ ‬الوقت الذي‮ ‬يجتر فيه العربي‮ ‬تاريخه ويعيد بناء وقائع ماض بعيد‮…”.‬

* ترجمة‮: ‬س‮. ‬عايدة

مقالات ذات صلة