الاقتراض من الصين .. أم الاستفادة من تجربتها؟
هناك توجه حاليا، نتيجة الضائقة المالية التي بدأت تعرفها بلادنا، للاقتراض من الصين لأجل إتمام بعض المشاريع التنموية، وكأننا للمرة الثالثة نريد تكرار ذات الخطأ الذي ارتكبناه في سنة 1989 عندما قُمنا بخيارات سياسية غير صحيحة أدت بنا إلى العشرية السوداء، وفي سنة 1999 عندما قُمنا بخيارات غير صحيحة مرة أخرى أدت بنا بعد أكثر من 15 سنة من البحبوحة المالية إلى العودة إلى مد اليد لأُمَمٍ وشعوبٍ أخرى هي أفقر منا من حيث الموارد والقدرات.. هل نستمر في ذات النهج لسنوات أخرى أم نَقوم بصياغة رؤية مستقبلية حقيقية لبلادنا تجعلنا بحق نستفيد من تجارب الآخرين بدل مواصلة الاقتراض منهم.
لم تبحث الصين عن الحل لمشكلتها الاقتصادية والاجتماعية أبعد من نفسها، بل انطلقت من حقائقها التاريخية ومن واقعها المركب كما كان مُشَكَّلاً نهاية سبعينيات القرن الماضي لتَطرح ما عُرف بمشروع التحديثات الأربعة كأساس للخروج من التخلف: تطوير الزراعة والصناعة والبحث العلمي والجيش. وكان ذلك بالتوازي مع تجديدٍ حقيقي للقيادة السياسية بإقحام عنصر الشباب المتعلم خَلَفا لجيل الحزب الشيوعي الذي كان له الفضل في نشأة الصين الحديثة. لم يحتكر قُدامى النضال السياسي من الرعيل الأول للحزب الشيوعي الصيني السلطة، ولا أبقوا على الأبوية في التسيير أو على تلك الدوغمائية الأولى التي نشأوا علبها، بل مَكَّنوا الجيل الجديد من قيادة البلاد بكفاءته، مستفيدا من آليات النظام الرأسمالي لتطوير الاقتصاد الاشتراكي، ومن الديمقراطية للزيادة في هامش الحريات والحقوق الفردية، بمعنى آخر أنهم قاموا بالخيارات السياسية الصحيحة في الوقت الصحيح، مما حقَّق النتائج التي نراها اليوم: كل أمم العالم تريد الاقتراض من الصين بما في ذلك الولايات المتحدة الامريكية، وكل أمم العالم تَصنع منتوجاتها في الصين، وتعترف لها بالمكانة والتفوق بما في ذلك دول كألمانيا وبريطانيا.
لقد وضع هذا لبلد لنفسه منذ بداية الإصلاحات في عهد مهندسه ادنغ شياو بنغ سنة 1978، رؤية مستقبلية تمثلت في الآتي: العشر سنوات الأولى تقوم على التحديث الزراعي والصناعي ليحقق البلد اكتفاءه من الغذاء والمنتجات المختلفة. وتحقق ذلك مع بداية التسعينيات، ثم تلتها عشر سنوات أخرى إلى غاية سنة 2000 كان هدفها مضاعفة الإنتاج 04 مرات، وتحقق ذلك أيضا. ولعب الرئيس الإصلاحي جيانغ تسه مين دورا كبيرا هو الآخر في هذا. وجاءت المرحلة الثالثة التي تعيشها الصين اليوم لتحقق هدفا جديدا أُطلق عليه الحياة الرغيدة لكل الشعب الصيني وهو جاري التحقق. ولم تتوقف الرؤية المستقبلية الصينية عند هذا، بل وضعت لنفسها هدفا تسعى لتحقيقه في حدود سنة 2028 كما تنبأ بذلك دنغ شياو، أو في حدود سنة 2050 كما هو مسطر، ويتعلق الأمر باللِّحاق بأكثر الأمم تطورا في جميع المجالات، أي أن هذا البلد وضع لنفسه أهدافا وسعى لتحقيقها، ومازال يفعل. بدون شك لم تتحقق النتائج كاملة، وكانت لها ومازالت سلبيات كأية تجربة بشرية ولكنها بشكل عام كانت ضمن المخاطر المدروسة ويجري التعامل معها.
ماذا فعلنا نحن بالمقابل؟
في غياب رؤية مستقبلية واضحة، لم نتمكن من تحديد أهداف طموحة ولا قُمنا برسم سياسات عامة لتحقيقها.
في نفس السنة التي بدأت الإصلاحات في الصين تُوفي الرئيس الراحل هواري بومدين، وبدل أن نُحدِّد للعشرية القادمة هدفا واضحا، كتحقيق الاكتفاء الذاتي، رفع الحزب شعارَ “من أجل حياة أفضل” ليس بالكد والعمل والانتاج إنما بالاستهلاك من خلال الاستيراد. وتم إغراق السوق بكل المنتجات الاستهلاكية التي بيعت بأبخس الأثمان. وشبعت البطون لتزداد العقول نوما، ولم تستيقظ إلا على صيحات البكاء والنحيب التي كانت عنوان المرحلة الثانية من إصلاحاتنا.
كانت إصلاحات تُريد تغطية الواقع الاقتصادي المتردي آنذاك بانفتاح سياسي شكلي تمثل في التمكين لكل من شاء من تأسيس حزب سياسي والإكثار من الحديث والصياح والعويل الذي وصل إلى حد الشتيمة والتنابز بالألقاب على نطاق واسع. في هذا الوقت بالذات قالت الصين لا للتظاهر من أجل انفتاح سياسي يربك الرؤية المستقبلية التي أعدَّتها بنفسها بعيدا عن كل ضغوط دولية: مضاعفة الإنتاج أربع مرات، وليس زيادة عدد الأحزاب 60 مرة كما حدث عندنا. وتم إجهاض تجمع ميدان تيانامن الذي وُصف بغير الديمقراطي وكانت النتيجة
.. حتى إذا ما مرت العشر سنوات الأولى تبيّن أننا لم نخرج من سياسة ملء البطون بما ينتجه الآخرون وأوّلهم الصينيون الذين ضاعفوا الانتاج أربع مرات. وكانت المحصلة أننا ضاعفنا من استيراد الحليب والسيارات والقمح والأدوية بدل أن نقلل من ذلك. وكأننا نكرر الخطأ للمرة الثانية.
مئات الضحايا من الصينيين وانتهى الأمر. أما عندنا فكانت النتيجة عشرات الآلاف من الضحايا من الجزائريين ولم ينته الأمر. وبالمقارنة النسبية مع عدد السكان فإن ضحايانا كانوا بالملايين…
ومرت العشرية السوداء وجاءت سنة 1999، وسعدنا لذلك، سندخل عهد مصالحة وطنية، ونشرع فيها ببناء بلدنا بناء صحيحا وفق مشروع مستقبلي واضح المعالم. ومرت الخمس سنوات الأولى واعتقدنا فقط أنها البداية الصعبة، ووجدنا جميع المبررات لذلك، ثم الثانية وبدأ يساورنا الشك، حتى إذا ما مرت العشر سنوات الأولى تبين اننا لم نخرج من سياسة ملء البطون بما ينتجه الآخرون وأولهم الصينيون الذين ضاعفوا الانتاج أربع مرات. وكانت المحصلة أننا ضاعفنا من استيراد الحليب والسيارات والقمح والأدوية بدل أن نقلل من ذلك. وكأننا نكرر الخطأ للمرة الثانية.
وبعد 15 سنة وجدنا أنفسنا نستعد لنمُد اليد مرة أخرى للآخرين، وهذه المرة للصين التي لم تكن أفضل حالا منا سنة 1978، بدل أن نقف وقفة مراجعة حقيقية للذات لنستفيد من خبرتها وخبرة غيرها علنا ننطلق نحو مستقبل أفضل.
وتَبْرُزُ أمامنا الكثير من المؤشرات الدالة على أننا سنكرر الخطأ. بدل صوغ رؤية مستقبلية للقيام بتحديثات أربعة مثل الصين على أيدي نخبة من الإطارات الشابة ذات الكفاءة والمصداقية يختارها الشعب من غير تزوير أو شِراءٍ للذمم، نسعى لاعتبار أن مشكلتنا هي بالأساس دستورية وقانونية في حين انها سياسية بكل المقاييس وذات علاقة بالخيارات الكبرى للبلاد.
ما الذي ينبغي أن نفعله في العشر سنوات القادمة؟ ومَن يقوم بذلك؟ وكيف نستعيد الثقة في أنفسنا وفي حُكمنا؟
هي ذي مشكلتنا، في كليات خيارات بلد، وليست في تفاصيل مواد دستورية. ماذا يفيد أفضل دستور مُصاغ بأفضل طريقة إذا كانت خياراتنا غير محسومة في مختلف الجوانب، وإذا كانت أولى قراراتنا بعد المصادقة عليه، ولو بالإجماع، أن نَمد اليد إلى الصين أو غيرها نقترض منها لنأكل أو نَسكن؟
اعتقد أن أولويتنا اليوم هي في اختيار نخبة جديدة من الكفاءات الوطنية اختيارا شفافا وفق مقاييس موضوعية تعيد لنا الثقة في أنفسنا، وبأن الحل بين أيدينا، ثم نصوغ لنا رؤية تمتد لعقود من الزمن ونشرع في تطبيقها، وإن كان ذلك بكل المخلفات والأعباء التي تركها أكثر من ربع قرن من الخيارات الخاطئة التي بدأت بمد اليد إلى صندوق النقد الدولي وانتهت بمدها مرة أخرى له ولغيره، رغم أنها امتلأت ذات يوم إلى حد أن احتاجها هذا الصندوق واحتاجها غيره… وأعطتهم جميعا…