الانتظار هو الحل؟
يتخذ الإنسان -عادة- أربعة مواقف أمام المستقبل، إما اللاّمبالاة، فلا يهمه ما سيأتي بعد حين، وهو موقف كل من انسحب من الحياة، ولم يعد يهمه أمره ولا أمر أمته أو بلده، أو يتخذ موقف ردة الفعل، فلا يتحرك إلا بعد حدوث المشكلة أو الوقوع في الأزمة، وهو السلوك الذي تمَّت تربية أغلبية الناس عليه.. أو يستبق الفعل فيحتاط للمستقبل، ويتجنب الوقوع في الأزمات، ويُوفِّر على نفسه عناء حل المشكلات ضمن حالة الاستعجال، وهذا نادرا ما يحدث، حتى عند من اكتسبوا معارف أو ارتقوا في سلمّ المسؤوليات.. أو يستحدث الفعل، وهي الحالة الرابعة، فيدفع بالتغيير نحو الاتجاه الذي يرغب فيه، وهو ما غاب عن الجميع، بمن في ذلك النخب السياسية والثقافية، التي لم يعد من مهامها الأولى.
ومشكلتنا اليوم، لا تكمن في هذه المستويات الأربعة في إدراك الواقع واتخاذ موقفٍ منه، بقدر ما تكمن في أننا أوقعنا أنفسنا في نوع خامس من المواقف، لم يفكر فيه إلى حدّ الساعة علماءُ الاجتماع أو المهتمون بمجال الاستشراف، عند تحليلهم لأساليب التعاطي مع المستقبل. هذا الموقف هو الانتظار، والانتظار الطويل أحيانا.
لا يمكن أن نقول بأننا غير مبالين بما يحدث من حولنا، نترك الحياة تسير كما تشاء، نرضى بالمستقبل الذي جاء كما يفعل البوذيون عادة، كما لا يمكننا أن نقول بأننا نتحرّك باستمرار وفق منهج ردة الفعل، لأننا كثيرا ما أصبحنا نُحيِّر بغياب الموقف لدينا، إن في القضايا الوطنية أو الدولية.. أما أن تتسم سلوكاتنا باستباق الفعل أو استحداثه، فذلك حُلمٌ لم نعد نحلم به…
كل ما نستطيع أن نؤكده اليوم، أن ما مرّ بنا من سياسات وأحداث، ونوعية القيادات التي كانت محرِّكة لها، أكثر ما كرّسته فينا هو مسألة الانتظار. والانتظار الطويل وفي جميع المجالات… من انتظار الحصول على السكن، إلى انتظار منصب عمل، إلى انتظار تسوية مشكلة عالقة في العدالة، إلى انتظار الإفراج عن الدستور… بل وصل الأمر بالبعض إلى انتظار الموت يخطف أحدهم لكي يفوز بجزء من المسكن أو نصيب من الميراث أو حتى نصيب من الحكم…
وكاد التسيير من خلال منهج الانتظار، يعدّ اليوم السمة الغالبة لسياساتنا المختلفة، ما يجعلنا ننبّه إلى مسألة في غاية الخطورة، أن تكريس ثقافة الانتظار تقتل روح المبادرة، وتُورِّث اليأس، وتمنع من الانطلاق نحو المستقبل، وقبل هذا وذاك، تقضي على الأمل لدى الناس، الذي هو أساس الحياة، ونحن لا نريد لذلك أن يحدث.