البرد أيضا يقتل في الجزائر
كانت الساعة تشير إلى الصفر مئوية تشابهت فيها الساعات والدقائق.. لا شيئ سوى البرد القارس.. الناس لا يخرجون إلا ليعودوا إلى مساكنهم الدافئة، فإذا كان الجزائريون مختلفين في ضروريات الحياة وكمالياتها من هوائيات مقعرة ومكيفات وسيارات، فإنهم جميعا يتفقون على أن المدفأة لا نقاش فيها، حتى المحرومون من الغاز الطبيعي يلجأون للمدافئ الكهربائية أو المدافئ التي تشغّل بغاز البوتان .
- وإذا كان تحوّل الشوارع إلى مراقد ومأوى للغرباء وللأيتام والضائعين في فصل الحرارة، فإنه عذاب في فصل البرد القارس الذي صعقت فيه درجة الحرارة الذين لا مأوى لهم فكانت تصفع جباههم بما يشبه الجليد وتصفع قلوبهم ببرودة من حولهم من الناس وخاصة المسؤولين.
- الشروق اليومي باشرت بحثها عن المعذبين في الأرض في نهاية ديسمبر، حيث تبلغ درجة الحرارة أدنى مستوياتها فتنزل تحت الصفر، وللأسف لم يكن التفتيش صعبا حتى كدنا أينما نولّي وجوهنا فثمة شخص يجلس على أرض أبرد من مجمدات الثلاجة.. كانت الرحلة في قسنطينة ليلية وجدنا في شارع العربي بن مهيدي سيدة رفقة ابنها، حاولنا الاقتراب منها ولكنها نبهتنا بأنها تطلب مالا أو غذاء ولا تريد تصويرها والكتابة عنها، قالت بالحرف الواحد: “لن آكل الجريدة التي تظهر فيها صورتي ولن أحولها إلى طائرة ورقية يلعب بها إبني؟”، كان ردها أقسى من صقيع ليل قسنطينة.. سألناها عن دار العجزة فقالت إنها مليئة، وسألناها عن حالة الطفل في درجة حرارة وصلت منذ يومين إلى الخمس تحت الصفر فجرا، فوجدناها غير مهتمة، ثم صاحت في وجهنا أريد حلا.. أريد مسكنا لا أريد أسئلة وكأنني في مخفر الشرطة، لقد أمضيت العمر كله في الإجابة وكأنني في امتحان بلا نهاية.. المكان كان شاغرا ولكن كُشكا ليليا ظل مفتوحا، قال صاحبه إن السيدة قدمت من مكان مجهول منذ حوالي شهر وهي تستعمر الرصيف وكأنها في مسكنها، حيث تغادر المكان كل صباح مع ولدها أو ابنتها، الغريب أن لا أحد يعلم جنس الرضيع الذي لا يتوقف عن البكاء إلا للنوم وسط طقس لا يقاوم ..
- في حي دقسي عبد السلام، غير بعيد عن مقر ولاية قسنطينة الجديد، كان شيخ مرميا، أخفى البرد سنّه الحقيقي حتى تلوّن وجهه بالزرقة، سألناه عن سبب تواجده في هذا المكان، فقال إن السكا،ن رغم رفضهم مبيته في الأقبية وعلى سلالم العمارات بسبب مرضه الذي يجعله يترك فضلاته دون تمكّنه من مقاومتها، إلا أنه اعترف أنهم لا يبخلون عليه بالأكل الساخن.. شاب من الحي أقسم بالله أنه فعل كل ما يجب فعله من اتصالات بالمسؤولين لأجل نقله إلى دار العجزة بجبل الوحش وببلدية حامة بوزيان بذات الولاية واستعداده بأن ينقله بنفسه، ولكن الوعود وحدها كانت تقابله من دون تجسيد. أما عمي العربي ـ هكذا يسمونه ـ فقال إنه يبيت في مختلف الأحياء المزروعة بالعمارات وأحيانا يختار المبيت أمام الجدران الخارجية لمخبزة حتى يتمتع ببعض الدفء على الأقل المعنوي.
- والدهن تزوّج مرتين وأنجب 22 مولودا في جيجل
- 4 شقيقات تعشن داخل كوخ بلاستيكي ورفيقهن الوحيد .. الصقيع
- محطتنا الثانية كانت ولاية جيجل، حيث تعيش أربع شقيقات تتراوح أعمارهن ما بين 27 و40 سنة، ضمنهن واحدة معوقة حركيا وأخرى مصابة بإعاقة ذهنية، برفقة شقيقهن البالغ من العمر 20 سنة، في ظروف أقل ما يقال عنها إنها غير إنسانية على الإطلاق، وقد ازدادت أوضاعهن صعوبة بوفاة والدتهن في رمضان قبل الماضي، تاركة وراءها عائلة متكونة من 11 فردا يقودهم والد غير مسؤول لم يشتغل طوال حياته سوى لمدة 3 سنوات مع أحد الخواص. وتبدو معاناة الشقيقات وشقيقهن، الذي يعمل بأحد المقاهي الشعبية بأجر شهري لا يتجاوز المليون سنتيم، مرتبطة بوالدهن الأمّي الذي لا يحسن القراءة ولا الكتابة، والذي أعاد الزواج قبل وفاة والدتهن وأنجب من زوجته الثانية 11 مولودا ليعادل بهم الرقم الذي حققه مع زوجته الأولى، وشكل بهذا فريقين عائليين، غير أن معالم مستقبل أفراد الفريق ضاعت بسبب عدم وجود أية استراتيجية مستقبلية من هذا الوالد، الذي فضل العيش مع زوجته الثانية بمشتة أغبالة ببلدية برج الطهر بولاية جيجل، والاعتماد في إعالة أفراد أسرته الثانية على بيع زيت الزيتون وتربية المواشي، وهذا دون الالتفات إلى بناته من زوجته الأولى، ونادرا ما يحدث هذا، أو بعبارة أدق حتى يشتد الجوع عليهن ويكاد يفتك بهن، وهو ما جعل زكية ومسعود وزهية وحفيظة يعتمدن في معيشتهن اليومية على الراتب الشهري لشقيقهن الأصغر، الذي يعمل قهواجي لدى الخواص، وانتظار منحة المعوقتين زكية ومسعودة المقدرة بـ4000 دينار شهريا.. الشقيقات اللائي كنّ يقمن داخل كوخ بمشتة بومليح ببلدية الشقفة، قبل أن تتكفل السلطات المحلية لهذه الأخيرة بتحويلهن إلى مسكن طوبي بمشتة السبت، سرعان ما تجددت معاناتهن بعد إزالة هذا المسكن الطوبي من على الخريطة الجغرافية في شهر جانفي الماضي، مما دفع بالشقيقات إلى الإقامة داخل كوخين مهجورين تمت تغطيتهما بالبلاستيك المستعمل من طرف الفلاحين في البيوت البلاستيكية المخصصة للزراعة غير الموسمية وسط درجة حرارة أقسى متدنية ولكنها ليست أقسى من قلوب مسؤولي الولاية، إلا أن فرحتهن بهذين الكوخين كانت قصيرة جدا، بعد أن خرج عليهن مستثمر خاص مهددا إياهن بهدم الكوخين مباشرة بعد نهاية شهر رمضان. ولأن والدتهن، رحمها الله، قامت في حياتها بشراء قطعة أرض صغيرة بمنطقة جيمار وسجلتها على الشقيقتين المعوقتين تحسبا لغدر الغدارين وظلم ذوي القربى، فإن زكية وزهية وحفيظة ومسعودة اللواتي لم نتمكن من تصوير وضعيتهن الصعبة والظروف المحيطة بهن، بسبب رفض شقيقهن فكرة نشر الصور على صفحات الجريدة، وجدن بأن البناء فوق هذه القطعة الأرضية يفوق بكثير قدرتهن المالية، كما أن القوانين لا تسمح لهن بالحصول على إعانات البناء الريفي بهذه المنطقة. وفي هذا الإطار، كان لنا اتصال هاتفي مباشر برئيس المجلس الشعبي البلدي لبلدية الشقفة، الذي تفهم الظروف الصعبة التي تعيش فيها الشقيقات برفقة شقيقهن الوحيد، حيث أبدى استعداده الكامل لمساعدتهن بحصة أو حصتين ماليتين من إعانات البناء الريفي المقدرة بـ70 مليون سنتيم لأجل بناء مسكن يحفظ لهن كرامتهن، شريطة أن يقمن بإعداد شهادة الحيازة لقطعة أرض بأرضهن الموجودة بمشتة أغبالة التابعة إداريا لبلدية الشقفة.. وحتى يتحقق البناء، فإننا أحسسنا، لأول مرة، بالبرد الحقيقي ونحن نزور قطب الكوخ المتجمد الذي تعيش فيه الشقيقات وهن في قمة الاستحياء خوفا من ثلوج أخرى، خاصة أن الجبال المحيطة بالمنطقة كانت تصنع خلال زيارتنا لهن ديكورا أبيض باهرا ومأساويا أشبه بالأكفان كما قالت زهية عندما سألناها عن وسائل التدفئة التي تستعملها الشقيقات في هذا البرد المؤلم .
- كانت تقيم داخل السوق الأسبوعي بخنشلة
- السلطات تساهم في طرد عائلة من ستة أفراد إلى الشارع في درجة حرارة صفرية
- لم نجد صعوبة في اختيار حالة ضياع في ولاية الضياع خنشلة، فقد منحتنا السلطات المحلية، بالتنسيق مع عناصر القوة العمومية، مرفوقة بآليات الهدم والتجريف التابعة لبلدية خنشلة، لتنفيذ قرارات الإدارة والمنتخبين المحليين بطرد عائلة من 6 أفراد.. منحتنا حالة بائسة.. العائلة كانت قد لجأت إلى أحد المحلات المفتوحة وسط السوق الأسبوعي بطريق بابار وأقامت فيها إلى جانب عائلتين أخريين رفقة ابنها وزوجته وأطفالهما الثلاثة: رضيعة وأختها ذات 3 سنوات وأخاهما الذي لا يتجاوز عمره 5 سنوات من هذا السوق الذي حولته البلدية مؤقتا إلى حظيرة لعتادها وآلياتها وسياراتها، إلى الشارع في عز الشتاء، أين تم رمي الأثاث والمتاع في العراء دون اعتبار لما يمكن أن يحل بهذه العائلة وسط الشارع مع أبنائها الصغار من خطر الموت بردا في عز الشتاء.
- الشروق اليومي، وقفت على المشهد الذي يقطع الأكباد ويحرق القلوب حزنا وأسفا أمام بكاء الأطفال الصغار وهم يحتمون بحجر جدتهم التي جلست بين أكوام أثاثها ومتاعها تذرف دموع الحسرة وتناشد أهل المروءة وذوي القلوب الرحيمة من أبناء الشاوية أن يرأفوا بها وبأبنائها بنجدتهم .. لكن للأسف دون مجيب .
- العجوز إسمها بركان عايدة، أكدت لنا أنها لجأت إلى هذه السوق منذ أزيد من 17 شهرا بعد أن ضاقت بها السبل ولم تعد قادرة على مستحقات الإيجار الباهظة لدى الخواص الذين في كل مرة يطردونها لتبحث مجددا عن مؤجّر جديد وهذا منذ أزيد من 20 سنة. وأضافت، أنها تقدمت بطلبات السكن أكثر من مرة ولكنها دائما تقصى من الاستفادة، شأنها شأن ابنها الذي رافقها في رحلة العذاب مع زوجته وأبنائه الصغار وها هي اليوم تطرد بأثاثها إلى الشارع بلا رحمة ودون أن يرقّ قلب أحد من المسئولين رأفة بها لإنقاذها من هذه المأساة بالتدخل لدى السلطات المعنية لمنحها سكنا اجتماعيا لائقا مع ابنها المتزوج وعائلته .. المنظر الليلي والعائلة تفترش الثلج كان لوحة بؤس تُعجز حتى بيكاسو .
- في أوربا توجد ملاجئ وأنفاق الميترو يأوي إليها المتشردون، ووفاة شيخ خرج للاحتطاب بسوق اهراس وآخر في ولاية البيض من شدة البرد، دليل على أن للبرد مثل الحرارة ضحايا والمتهم في كل الحالات أكيد عرفتموه.