الرأي

البطالة: كسل الشباب أم كسل السياسات؟

محمد سليم قلالة
  • 2583
  • 0

مشكلة البطالة في الجزائر لها علاقة بالعدالة في توزيع مناصب العمل أكثر مما لها علاقة بفقدان مناصب العمل. كما أن حلّها له علاقة بإعادة النظر في مفهوم التضامن الوطني، وبوضع حد لتبديد المال العام أكثر مما له علاقة بالمناخ الاقتصادي السائد في البلاد. بإمكان شبابنا أن يتعاطى مع المشكلة بإيجابية أكبر لو بدا واضحا أمامه أن هناك عدالة حقيقية وتضامنا حقيقيا، وأن هذا كل ما تملكه البلاد من مقدرات سخرتها لأبنائها…

 لا يشعر الباحث عن العمل في أي من قطاع من القطاعات بأنه سيفوز بالمنصب وبالأجر الملائمين لقدراته وكفاءاته، هناك شبه اتفاق أن المناصب القارة ذات الأجور الملائمة، أو الأهمية الحيوية، أبدا ما تصل إلى ذوي الكفاءات المناسبة… هذا الإجحاف في توزيع مناصب الشغل هو العامل الأول الذي يُعطي لملف البطالة البعد المأساوي الذي نعرفه اليوم من محاولات انتحار وخياطة للأفواه… لو لم يكن هذا الإجحاف لَتَعامل الجميع مع البطالة كمشكلة اقتصادية دون تسييس ولا تحريف… أما والحال هذه فإن النظر لها ينبغي أن يتم بشكل آخر قبل أي تحليل قائم على دراسة القواعد الاقتصادية…

كل بلدان العالم تَعرف بطالة، لأسباب موضوعية، وكل بلدان العالم تعرف مشكلات ناجمة عنها، إلا أن المشكلة في بلادنا تُطرَح بصيغة أخرى مختلفة إلى حد بعيد عن تلك التي تعرفها هذه البلدان. المشكلة عندنا تُطرَح من زاوية العدل والمساواة لا من زاوية الحق في العمل المضمون دستوريا للجميع. شبابنا يريدون مساواة أمام فرص العمل وعدالة في توزيع ما توفر من مناصب.. وبعدها هم مستعدون للتعايش مع المشكلة بواقعية وبلا تصعيد.

لو كانت هناك قناعة عامة لديهم أن مناصب العمل إنما تُوَزَّع وفق قاعدة الكفاءة والأحقية والأولوية لما ثاروا ضد الوضع القائم، بل ولَتوجهوا إلى العمل نحو مناصب أقل مردودية من حيث الأجر وأكثر صعوبة من حيث ظروف العمل في انتظار الحصول على الأفضل كما هو الشأن في جميع بلاد العالم…

المسألة لا تتعلق برفض الشباب للعمل، ولا بظاهرةِ كَسلٍ جماعي أصبح يَفرض وجوده، ولا بظاهرة رفضٍ للعمل المُنتج والقَبول فقط بمناصب العمل الكسولة كالحراسة وما شابهها، إنما تتعلق بقناعة جماعية أن الغالبية الساحقة  أصبحت تَرى أن الأجور التي تتقاضاها لا تتناسب سوى مع مهام غير مُنتِجة تُوجَّه إليها قسرا ولا تتطلب القيام بجهد كبير، مثل هذه…

 هذا الإجحاف في توزيع مناصب الشغل هو العامل الأول الذي يُعطي لملف البطالة البعد المأساوي الذي نعرفه اليوم من محاولات انتحار وخياطة للأفواه.. لو لم يكن هذا الإجحاف لَتَعامل الجميع مع البطالة كمشكلة اقتصادية دون تسييس ولا تحريف..

لو تمت مراجعة سياسة الأجور بالكيفية التي تجعل العمل المنتج أكثر مردودية من العمل الكسول، ولو تم فتح مناصب العمل بالعدل أمام الجميع، وجرى الانتقاء فقط وفق معيار الكفاءة والأحقية من حيث المؤهلات المختلفة لما شَعَر البطالون بالظلم أو القهر، ولَقَبِلوا بشغل المناصب المتوفرة في انتظار الانتقال إلى أخرى مادامت قواعد  الانتقال معروفة وهناك شفافية كاملة في مجال الانتقاء.

الحل يبدأ من  تصحيح هذا الخلل الأول إذا أردنا بالفعل مقاربة المشكلة بموضوعية، وبعدها تأتي الحلول الأخرى التي لها علاقة بهيكلة الاقتصاد، وبتطوير عملية الإنتاج وبالأسواق العالمية للمحروقات وغيرها…

لا يمكن لأي مقاربة أن تنجح في مجال مكافحة البطالة، ومنع تحولها إلى مشكلة ذات أبعاد اجتماعية ونفسية وربما سياسية، إذا لم تبدأ من إضفاء الشفافية الكاملة على سوق العمل والتوظيف. وهذه مشكلة لها علاقة بإفشاء العدالة والمساواة في المجتمع أكثر مما لها علاقة بضعف آليات التشغيل أو غيرها من الميكانزمات.

الانطلاقة ينبغي أن تبدأ من تصحيح هذا الخلل وبعدها تأتي التصحيحات الأخرى ذات الطبيعة الاقتصادية والاجتماعية.

ومن التصحيحات التي يبدو أنها ذات أولوية تلك المتعلقة بمراجعة طبيعة التضامن والسياسات الكسولة في هذا المجال. هناك آلاف المليارات من الدينارات تُستهلك سنويا بطريقة أو بأخرى عبر ما يُعرَف بالتضامن الوطني، والكل يَعلم أن الكثير من ميزانيات التضامن تُحوَّل عن غايتها أو يتم تفتيتها فلا تصل إلى مستحقيها بالقدر الكافي أو لا تصل بتاتا، مثل هذه الميزانيات يمكن التفكير في تسخيرها لمكافحة البطالة إن بالدعم المباشر للبطالين من خلال حد أدنى من الأجر المقبول  الذي يضمن الحياة الأساسية لهم، أو بالدعم غير المباشر من خلال تحويلها إلى مشاريع استثمارية تخلق مناصب شغل جديدة.

وقد سارت بلدان كثيرة أشواطا في هذا الاتجاه إلى درجة أن الوزير الأول الفنلندي اقترح في العام الماضي إلغاء جميع المساعدات وأشكال الدعم التي تقدمها الدولة بطريقة أو بأخرى واستبدالها بدخل موحد يضمن الحد الأدنى للمعيشة لكافة المواطنين يصل إلى ألف يورو شهريا، يكون العمل بعده، فقط لتحسين المعيشة حسب قدرات وحاجات كل فرد…

 وبالرغم من اعتبار مثل هذا الطريقة “طوباوية” إلى حد كبير، ونحن لسنا فنلندا، إلا أنه بإمكاننا فضلا عن وضع حد لأشكال الدعم غير المبررة والتي يتم توزيعها بطرق غير شفافة، أن ننتقل إلى مستوى آخر من مستويات معالجة مشكلة البطالة من خلال وضع حد لتبديد المال العام عبر أشكال الفساد المختلفة، وتخصيص هذا المال العام  لما يُساعد على توفير مناصب شغل أكبر في سوق العمل. وهكذا إلى أن نصل إلى استخدام كافة الأساليب المتاحة لمواجهة هذه الظاهرة بالشكل العلمي المطلوب.

 لو تمت مراجعة سياسة الأجور بالكيفية التي تجعل العمل المنتِج أكثر مردودية من العمل الكسول، ولو تمّ فتح مناصب العمل بالعدل أمام الجميع، وجرى الانتقاء فقط وفق معيار الكفاءة والأحقية من حيث المؤهلات المختلفة، لما شَعَر البطالون بالظلم أو القهر، ولَقَبِلوا بشغل المناصب المتوفرة.

في تقديري أنه لو تم ذلك بوضوح تام، ومن خلال رقابة شعبية ومؤسساتية حقيقية، فإننا إذا لم نقلل من حدة البطالة إلى النصف، سنلغي نهائيا حدة التوتر الناتجة عنها.

إن المشكلة بالأساس مرتبطة بهذا المستوى. يُمكِن لنا أن نَقبل بمعدل مقبول للبطالة إذا ما كانت كل القدرات المتاحة، مُستخدمة لأجل مكافحتها، وإذا ما كانت هناك شفافية وعدل في توزيع المناصب.

لا أتصور بأن شبابنا سيخيط أفواهه أو يقطع أوصاله أو يحاول الانتحار في مثل هذه الظروف، عكس ذلك سيُشمِّر على سواعده وسيدخل المنافسة من بابها الواسع، بل إن ديناميكية العمل ستُنتج حالة نفسية حقيقية لدى الجميع مما سينعكس إيجابا على كل الاقتصاد الوطني.

وبهذا المعنى يتأكد لنا أن المقاربة الاقتصادية غير كافية لوحدها لتناول مثل هذه المشكلة، ينبغي الغوص في خصوصية المجتمع الجزائري وفي طبيعة الحالة الجزائرية في هذا المجال. وبدون شك سنكتشف أن لعنصري العدالة والشفافية ولمسألة وضع حد للفساد على كافة المستويات الأثر الكبير على الدرجة التي بلغتها البطالة في بلادنا.

إننا في حاجة إلى إعادة النظر في هذه المسألة ضمن رؤية مستقبلية بعيدة المدى تنطلق من الواقع الذي نعيشه اليوم وتستفيد من التجارب التي بلغتها الأمم الأخرى في مجال البحث عن الرفاه لمواطنيها. إننا لا نقل قيمة عن الآخر، الأقدر على إيجاد حلول لمشكلاته بطرق حضارية ومن خلال تفكير معمق لخبرائه وإطاراته، فقط هي الإرادة السياسية التي ينبغي أن تتوفر والإخلاص الحقيقي الذي ينبغي أن يتحلى به كل قائم على هذه السياسة. مشكلتنا هي بالفعل في مستوى السياسات العامة الكسولة وليست أبدا في كسل الشباب… 

مقالات ذات صلة