-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

البعد أرحم..!!

مروان ناصح
  • 1986
  • 1
البعد أرحم..!!

-1-بعد جلسات طويلة عدة قضاها بيكاسو في منزل الكاتبة الأمريكية “غيرترود شتاين” (1874 – 1946) ليرسمها – حسب طلبها – نهض فجأة..!! وجمع أشياءه يستعد للمغادرة:- لشدة قربي منك كل هذه المدة… لم أعد أراك.!! .- والمعنى..؟؟ – لن تكتمل هذه اللوحة قبل أن أسافر إلى اسبانيا في إجازة..!! إلى اللقاء.

وليس بيكاسو هو الفنان، أو الإنسان الوحيد الذي كاد أن يأكله الضجر، من تأمل الناس والأشياء، بعدسة مقربة، ولقطات ضيقة الأفق..!! بل نحن جميعاً نشترك في أننا ضحايا لهذه اللعنة التي قد تودي بطموحاتنا وأحلامنا الإبداعية – وغير الإبداعية – إلى اللا شيء..!! إلى الخواء..!! كما قد تدفع بنا إلى ارتكاب حماقات  إنسانية” غير مقصودة، ونحن لا هدف لنا إلا الهروب من هذا الضجر القاتل..!!

وهذه بعض اللقطات “الدرامية” التي تلوح لي من بعيد:

أ-

في فيلم للمخرج المصري خالد يوسف، هو “الريس عمر حرب”، نتعرف إلى شخصية طريفة غير مصرية، مع أنها تعيش في مصر عيشة الملوك المخلوعين..!! إنه مليونير عراقي مقامر، اعتاد أن يقبل على لعبة “الروليت” متفائلاً في كل مرة، وهو يردد الأهزوجة العراقية المعروفة: “اليوم يومك يا بطل..!!” ولكن يومه – في اللعب – ينتهي به دائماً إلى الخسارة..!! وحينما تتراكم عليه الخسارات، لا يجد متنفساً لروحه الخائبة، سوى أن يخلع حذاءه و”يبصق” عليه، ثم يهوي به على رأس مدير هذه اللعبة.. “وجه النحس”..!!

بعض فناني الدراما السوريين يشبهون هذا المليونير العراقي المقامر..!! ولكن هذا المليونير يخسر “الفلوس” وينتقم من الناس..!! أما هذا البعض من الفنانين السوريين فيخسرون أنفسهم.. ويضربون الناس بالتهم الباطلة..!!

ب –

كنت أحاور كاتباً درامياً شاباً، اتخذ من شخصية “راقصة” رمزاً لكل شرور العالم، وعنصراً مساعداً لسقوط أحد أبطال مسلسله الدرامي الذي ما يزال على الورق في الوحل:

لماذا تكرر نمط الراقصة في السينما المصرية، التي لا يكاد يخلو فيلم فيها من “راقصة شرقية” مطلوبة للفرجة والمتعة..!! ومذمومة بمقاييس أخلاق المجتمع المصري” بل العربي برمته..!! 

لأنه النمط السائد.. ولو قدّمتها بغير هذه الصورة فلن يصدقني أحد..!! 

مع أنك تؤمن بأنّ “الرقص” بأنواعه، هو أحد الفنون الجميلة السبعة.. وأن ارتباطه بالأشياء المرذولة في أذهان الناس هو من بقايا عهود الانحطاط..!! 

نعم.. ولكن من يدلّني على حدود تلك العهود؟!!

ج –

بعد أن انتهى عرض “شريط ما” أصرّ أصحابه، والمنتفعون منه، على أن يلصقوا بـه تسـمية “فيلم” – لجهلهم المؤسف طبعاً..!! – وقفت في جانب من القاعة مع مخرج سينمائي “مخضرم”، نتبادل ابتسامات التعجب..!! وعلامات الشماتة بـ “بعضنا بعضاً”!! ووجدته يهمس لي محاذراً أن يسمعه أحد: 

ما رأيناه “شيء” رائع..!! أليس كذلك..؟؟!!

قصدك: مريع..!! 

– كما تشاء.. فقد تمكّن هؤلاء السذّج المنقطعون عن معرفة ما تمّ في ماضي هذه السينما وحاضرها، من أن يعيدوني سنوات بعيدة جداً إلى الوراء..!! حقاً.. ما كان أجمل هؤلاء الفتية الذين بدؤوا الخطوات الأولى في السينما والدراما السورية..!!

ثم قادني من يدي إلى خارج القاعة، ليكمل حديثه بصوت طبيعي:

– أما جماعة هذا “الفيلم”، فما أحوجهم إلى ذلك الحكيم الصيني، الذي طلب من أحدهم أن يُطلّ من نافذة زجاجية، وسأله: ماذا ترى؟؟ فأجاب الرجل: الناس. ثم طلب منه ثانية أن ينظر في مرآة، وسأله: والآن ماذا ترى؟؟ فأجاب: نفسي. وهنا قال له الحكيم الصيني: النافذة زجاج، والمرآة زجاج.. ولكن المرآة قد أضافوا إليها طبقة من الفضة، وهي التي جعلتك لا ترى إلا نفسك..!!

لقد “دعموا” لهم مرآتهم بما هو أشدّ عتمة من الفضة..!! ألم تسمع بالجيل الجديد من فيتامين واو”: أعني الوهم..!!

د –

ما ينطبق على فن من الفنون من شروط الأصالة وعدم التلاعب بمقومات الإبداع جدير بأن يعمم على الفنون كلها..

يروي الشاعر السوري الظريف “أحمد الجندي” – وكان من كبار العارفين بفنون الموسيقا والغناء الكلاسيكي العربي – في مذكراته الممتعة التي صدرت في مطلع التسعينيات بعنوان “لهو الأيام”.. يروي قصة طريفة عن النشيد الوطني المعروف “بلاد العرب أوطاني” الذي نظمه الزعيم الوطني فخري البارودي. فقد عرض البارودي هذا النشيد على المطرب الشاب يومها محمد عبد الوهاب، في مجلس ضّم كلاً من أمير الشعراء أحمد شوقي، والمغني الكبير الشيخ سيد الصفتي، والمطربة والممثلة الكبيرة منيرة المهدية، وذلك في بيت البارودي، في دمشق، وطلب منه أن يقرأه ويلحنه ، وقرأ عبد الوهاب النشيد، حتى وصل إلى قول البارودي:

ومن نجدٍ إلى يمنٍ إلى مصر فتطوان”، فوقف المطرب عند كلمة “تطوان” ليقول للبارودي: 

هذه الكلمة صعبة وثقيلة اللفظ في الغناء.. أرجو تبديلها بكلمة أخرى..

غير أن البارودي اعترض على الاقتراح بقوله:

ولكنّ هذه هي حدودنا يا أستاذ..!! 

فالتفت إليه المطرب قائلاً: 

ولكنني يا سيدي لست ملحن “جغرافيا”..!!

2

وعاد بيكاسو من رحلته إلى إسبانيا، ليواصل رسم الكاتبة “غيرترود شتاين”.. وأتم اللوحة.. وقدمها لها، فتأملتها طويلاً وقالت:

جيدة جداً.. ولكنها لا تشبهني..!!

 

صحيح..!! ولكن.. أرجو أن تنتظري عليها بضع سنوات قادمة.. وسترين أنك تشبهينها تماماً..!!

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • XXXXX

    أرجو أن تنتظري عليها بضع سنوات قادمة..
    وسترين أنك تشبهينها تماماً..!! ههههه
    خير الامور اوسطها و اعدلها بميزان
    لكن كيف نطبق هذا الاتزان ..
    و نحن نتسارع بلهفة و سذاجة على ملذات الدنيا
    و اهواء نفوسنا التي بائت اعاصير و ليس فقط هواء ههه
    اعتقد انها الانانية هي من قتلت فينا روح التضحية
    و صاحب الشخصية المضحية دائما ما يكون هدفه بعيد و غير محدود فان غابت التضحية عنه تضايقت افكاره و تشتت حتى جعلته يركز على ادق التفاصيل بتفاهتها و بكل انانية منه ربما !!.. الله يحفظ سوريا و اهلها . شكرا