البَقَروت
جاء في كتاب “جمال الدين الأفغاني.. ذكريات وأحاديث”، للشيخ عبد القادر المغربي (ص 107) أن الشيخ قال في أحد البُلَداء: “هذا رجلٌ من نسل البَقَرُوت”، ولمَّا لوحِظ عليه أن هذه الكلمة “بَقَروت” غير صحيحة، أجابهم: “ألا تقولون جبروت، رهبوت، ملكوت؟”.. فقالوا له: “إن البقروت لم ترِد في كلام العرب”. وفي رواية أنه قال: ضمُّوها إلى كلام العرب على ذمَّتي.
منذ قرأتُ هذه الكلمة المنسوبة إلى الشيخ جمال الدين الأفغاني صرتُ أطلقها على “كائنات” عندنا في الجزائر كلما ذُكر الإمامُ عبد الحميد ابن باديس، اشمأزَّت قلوبُهم، وضاقت صدورُهم، وسُمع لهم “نهيقٌ” و”نعيق”، و”نقيق”، مردِّدين أسطوانة مشروخة “يشطحون” عليها، ويتطاولون على الإمام ابن باديس، كما كتب الأستاذ رشيد ولد بوسيافة في “شروق” يوم 19/4/2021 ص2، مع أنَّ أمثَلَ أمثالِهم لا يساوي حذاءَ الإمام من حيث العمل للجزائر، ويكفيه أنه قال: “أعيش للإسلام وللجزائر”، وهو لم يقُل هذه الكلمة في “سوقٍ انتخابيٍّ”، كما يفعل أكثرُ السياسيين قديما وحديثا. هذه الأسطوانة لا يردِّدها إلا “محتكرو الوطنية”، الذين انتهى كبيرُهم الذي علّمهم في “حضن فرنسا”، كما يردِّدها بعضُ “أدعياء الوطنية”، الذين لا يعرفون من الوطنية إلا ما سمَّاه الزعيم فرحات عباس في كتابه “غدا تشرق الشمس”، ص 45 “وطنية الجهاز الهضمي” وعندما جدَّ الجدُّ، وجاء عهدُ السِّنان، وانتهى عهدُ اللسان، كان “كبيرُهم” “الوسيلة الأخيرة” لجاك سوستيل، وكان أدعياء الوطنية “غائبين”، كما سجَّل ميثاق الصومام في أوت 1956، وما ذلك إلا لأنهم لا يملكون “سوى شعار الاستقلال” كما يقول الأستاذ مالك ابن نبي.. (مسقاوي.. مالك ابن نبي 2/952).
هذه الأسطوانة المشروخة التي يردِّدها “الشمَّامون” في “القهاوي” و”أثمانُ” المتعلمين هي أن ابن باديس كتب “يمدح” فرنسا، ويشيد بـ”ديمقراطيتها” ويدعوها إلى “مساعدة” الجزائريين حتى يساووها في العلم والتقدُّم…
يا أيُّها “البَقَرُوتيُّون” إن الفرنسيين في الجزائر كانوا –كالشيطان– يستَرِقون السمع، ويرصدون الأعمال، فلو استيقنوا أن ابن باديس “صادقٌ” فيما قال، ولم يكن “متَّقِيًّا” منهم، فلماذا يوقفون “منتقدَه” وجرائدَ جمعيته، “السُّنَّة، الشَّريعة، الصِّراط”؟ ولماذا يغلقون مدارسَ الجمعية، ويسجنون معلميها وأعضاءَها، ويضيِّقون على نواديها، ويشرِّدون تلاميذَها؟
ولو كان ابن باديس “صادقا” فيما كتب، فلماذا لم يُهرْول مع المُهرولين لمساندة فرنسا في حربها ضدّ ألمانيا؟ ولماذا يرفض ما طلبته فرنسا منه ومن أعضاء الجمعية “جميعا وأشتاتا” من إصدار بيانٍ تأييداً لها؟ مع وعود وترغيبات.
إن الفرنسيين –على غبائهم– أذكى منكم أيها “البَقَروتيُّون” عندما أكَّدوا في تقريرهم المُسمَّى “الجزائر في نصف قرن” أن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين هي أخطرُ تنظيم على مخططها الإستراتيجي في الجزائر.. وها هي “جمعية العلماء” قد أخرجت آثارَها بما لها وما عليها، فلتُخرِجوا آثارَكم جميعا، ولنتحاكم إلى التاريخ الصادق.. وأعتذر إلى “أمَّة” البقر، إذ شبَّهتُ بها هذه “الكائنات”.