البّوسة.. السّوسة والأيادي المتعوسة!
ما سمّي بالثورات العربية لم تتوقف إلى اليوم، في تونس ومصر وليبيا، رغم أنها حققت أهم أهدافها، فقد فرّ زين العابدين هاربا، وتنحى حسني مبارك الذي يحاكم رفقة أبنائه، وقـُتل معمّر القذافي بطريقة بشعة أساءت للثوار والمسلمين، لكن رغم ذلك تكاد تتحوّل تلك “الثورات” إلى فوضى يدفع ثمنها بطبيعة الحال الغلابى والزوالية، في ظل أنظمة جديدة لم تأت بالخير للبلاد والعباد! نعم، قد تكون مرحلة ما بعد الثورة أخطر من المراحل والإرهاصات التي تسبقها، والخطير أن يتكاثر الأبطال بعد انتهاء المعركة، والأخطر من ذلك، أن لا يستفيد “شعيب الخديم” من غنائم الثورة التي تحوّلت على ما يبدو، حسب ما تقرؤه الأحداث والتطورات إلى مغانم للحكام الجدد ولدوائر أجنبية، في كل من تونس ومصر وليبيا؟
مجرّد “بوسة” على يد الرئيس التونسي، المنصف المرزوقي، ذكّرت التوانسة بـ “السّوسة”، وأحيت الثورة مجددا في تونس “الياسمين”، حيث ثار الشارع على ممارسات اضطروا بسببها زين العابدين إلى الفرار بجلده، مثلما استيقظت أيضا الفتنة بين المجلس الانتقالي والحكومة في “ليبيا الجديدة”، بسبب خلافات قد تكون شخصية وشكلية بين مصطفى عبد الجليل، وعبد الرحيم الكيب، بما يؤشـّر على إقالة “حكومة الثورة” وتأجيل الانتخابات!
مصر “ميدان التحرير”، هي كذلك تحوّلت إلى ميدان حرب بسبب الانتخابات بين بقايا النظام المنهار أو بالأحرى “حاشية” الرئيس المخلوع، و”الجيل الجديد” من إسلاميين ووطنيين، ممّن يريدون بناء مصر المحروسة، لكن حسابات كلّ طرف حوّلت مصر إلى برميل بارود لم يظهر بعد “بيبرس” الذي بإمكانه تفكيكه وتجنيب المنطقة الانفجار!
من تونس إلى ليبيا مرورا بمصر، تحوّلت “القوى العالمية” التي شجّعت الشعوب العربية على الثورات وتدخلت أيضا بالقوة السياسية والإعلامية والعسكرية لتوجيه هبوب رياح ما عُرف بـ”الربيع العربي”، تحوّلت إلى صمّ بُكم، لأنها الآن تفضل أن تتفرّج على “الفيلم” الذي ساهمت في انطلاق بثـّه، وخططت وتآمرت ليحقق أعلى الإيرادات في سينما هوليوود!، لا تنتظروا الآن أن يتدخل “الناتو” لإقرار السلم والسلام في البلدان التي فعلت الفتنة فيها فعلتها بين الأشقاء الفرقاء، ولا تنتظروا أن يُصدر مجلس الأمن فتوى يحلّل أو يحرّم فيها “بوس” يد الرئيس في تونس، كما لا تنتظروا أن تتدخل أمريكا أو فرنسا لإقناع المجلس الانتقالي بضرورة اقتسام الحكم في ليبيا بالعدل والقسطاس، مثلما لا يُمكن لإسرائيل أن تـُقنع الرأي العام بضرورة معاقبة مصر التي أوقفت إمدادها بالغاز!
منذ البداية كان في شبه المؤكد، أن “الثورات” في تونس ومصر وليبيا، لن تمرّ هكذا بردا وسلاما، سواء على تلك البلدان أو على المنطقة، فالذي مازال جاريا بتناقضاته ومخاطره في كلّ من مصر وسوريا، حوّل منطقة الشرق الأوسط إلى قنبلة قابلة للانفجار على حاملها في أيّة لحظة، والذي يجري بمنطقة الساحل، هو دون شكّ نتاج الذي حدث بتونس ثم بليبيا!، ولأن للجزائر تجربة وخبرة طويلة مع الثورات فإنها تعاملت مع “الثورات الجديدة” كموضة للألفية الثالثة، وهو ما دفع المتآمرين والمخططين إلى التكالب عليها، طالما أن شعبها “فايق” ولا يستجيب أبدا للمنعكس الشرطي، لأنه يكفر بالتدويل والتهويل والتأويل، والاستنجاد بالمحتل لتسوية مشاكل داخلية تبقى خاضعة لمبدأ: زيتنا في دقيقنا، وأيضا: خوك خوك لا يغرّك صاحبك!