التاريخ يكتب نفسه
التاريخ كالسيف إن لم تقطعه بالكتابة ذبحك، والذي لا يكتب عن نفسه بنزاهة إما أهمل الناس كتاباته أو كتبوه هم كما يريدون، ولسنا ندري إن كان ما أحدثته مذكرات الطاهر الزبيري من “تهافت التهافت” على حد تعبير الفيلسوف ابن رشد الذي ردّ على كتاب الغزالي…
-
حالة صحية تؤكد أن الكلمة الطيبة لها مسمع طيب، والذين حكموا على الجزائري بأنه يهتم بغذاء البطن قبل غذاء العقل، وخاصة غذاء الذاكرة إنما قذفوه بالباطل، أم أنها حالة تؤكد أننا نعيش فراغا رهيبا وحياة ظل تجعلنا نقتدي بأي نجمة تسطع حتى ولو كانت من الآفلين، وكان صاحبها من صُنّاع القرار الذي فيه أقاويل حسب الجزائريين. الأمريكيون الذين أبهرونا بالصوت والصورة، ودوّخونا بالفضائيات والعنكبوتيات والفايس بوك والتويتر، وبلغوا القمر والمريخ مافتئوا يعودون إلى الكتاب الذي يكتبه صٌناع الحدث العلمي والسياسي والأمني، فقد كتب أنشتاين وارمسترونغ وشارلي شابلن وإيزنهاور مذكراتهم، وكتب كارتر وريغن وحتى أوباما الذي مازال شابا في سنوات حكمه الأولى، والفرنسيون الذين تعوّدنا أن نقتدي بهم سنّوا كتابة تاريخهم منذ نابليون بونابرت مرورا بديغول ووصولا إلى ساركوزي، ومع أن المفكر مالك بن نبي في شهادته على القرن حاول أن يقدم في جزأين نفسه وحِقبته بأمانة، إلا أن الكتاب التاريخي الواحد لا يمكنه أن يصنع الحقيقة الكاملة، لأنه لولا سيرة ابن كثير وتاريخ الطبري ما كان لسيرة بن هشام ذات الوزن، فتاريخ الأمم ليس كتاب مذكرات واحد، وإنما مكتبة كبرى تمنحنا قراء دائمين لا ينتظرون معرضا واحدا في السنة وكتابا يشغلهم في السنة.
-
مشكلتنا في الجزائر مع كتابة التاريخ لا تختلف عن مشكلة العالم العربي والإسلامي في السير على نهج المدرسة التي تُطالب بدفن الحقائق حتى لا تُثار الفتن وتكفير كل من يحاول أن يفتح ملفات قديمة ويحاول إعطاء وجهة نظره كما حدث مع عميد الأدب العربي طه حسين عندما كتب “وعد الحق والفتنة الكبرى”، فأصبح الكتاب الذي من المفروض أن نفتحه لنقرأ أنفسنا نفتح به أبواب الخلاف، والجزائر على قلة إنتاجها الأدبي والفكري والتاريخي والسياسي فإن كل كتاب فيها مرتبط بتهمة، فمن “نجمة” أخرجوا كاتب ياسين من ملة خاتم الأنبياء، ومن الزلزال قذفوا الراحل طاهر وطار بالإلحاد، ومن عابر سرير فكرت أحلام مستغانمي في اعتزال الكتابة، وحتى مذكرات خالد نزار وعلي كافي والطاهر الزبيري وغيرهم لم تمنحنا جيل نُقّاد يقرأون السطور وما بينها، ويُشرّحون الكتاب ويردون عليه ليس بالأحكام السهلة الجاهزة وقذفه بالكذب ووصفه بالتافه وإنما بكتاب آخر كما يحدث في دول العالم، فقد كتب شارل ديغول مذكراته فردّ عليه الفرنسيون بأكثر من مئة كتاب، وكتب كيسنغر مذكراته فردّ عليه الأمريكيون والعرب والانجليزيون والإسرائيليون أيضا بأكثر من خمسمائة كتاب، وكتب الآن الطاهر الزبيري مذكراته، فهلاّ ردّ عليه من عاصروه في صنع القرار بكتب أخرى، لأن التاريخ لا يعيد نفسه وإنما يكتب نفسه إذا لم يكتبه صانعوه من الأخيار ومن الأشرار، وعندما يكتب التاريخ نفسه فإنه لن يرحم الصامتين؟