التخلي عن الدواء وتعويضه بـ “الخلطات” انتحار
برزت ظاهرة خطيرة في الساحة الصحية، حيث بات كثير من الجزائريين يتجهون نحو الطب البديل والوصفات الشعبية كوسيلة للعلاج، ليس فقط من أجل بعض الأمراض الموسمية أو العابرة مثل الدفتيريا أو الزكام، بل حتى لعلاج السرطان وأمراض مزمنة أخرى، ما ينذر بكارثة صحية صامتة.
بمجرد تسجيل بعض حالات الدفتيريا في ولاية سكيكدة فقط، سارع بعض أصحاب الصفحات الإلكترونية المختصة في العلاج بالأعشاب والطب البديل، إلى نشر وصفات شعبية للقضاء على الدفتيريا، مؤكدين فعالية هذه الوصفات التي جعلت كثيرا من المواطنين يُقبلون عليها، لحماية أنفسهم مسبقا من الدفتيريا.. !
القضاء على الدفتيريا بالزنجبيل والعسل.. !
ونشرت إحدى الصفحات المختصة في العلاج بالأعشاب على منصة “فيسبوك” منشورا تنصح فيه المواطنين بوقاية أنفسهم من مرض الدفتيريا بشرب كوب من الزنجبيل والينسون مع العسل الحر، مرتين يوميا للوقاية من مرض الدفتيريا، ليعلق أطباء على المنشور مؤكدين أن الدفتيريا مرض قاتل دواؤه الفعال هو التلقيح المسبق فقط، أما المصابون به، فعليهم بالفحص المبكر والمسارعة بالعلاج، بهدف تعطيل البكتيريا عن الوصول إلى الأنسجة، أما الخلطات الشعبية، بحسبهم، فهي تؤزم الوضع بسبب تأخر التكفل الصحي.
وحذّر أطباء من هذه الظاهرة التي عادت بقوة مُؤخرا، وذلك بمجرد ارتفاع منسوب الخوف والقلق في أوساط المواطنين، إثر انتشار أخبار حول تسجيل حالات مرضية، حتى ولو كانت حالة أو اثنتين، يدفع هذا الخوف بعضهم إلى هجر المستشفيات والأدوية الحديثة، والبحث عن “العلاج الطبيعي”، في الأسواق الشعبية عند باعة الأعشاب وحتى لدى الرقاة، ظنًا منهم أن ذلك أكثر أمانًا وأقل تكلفة.
والأخطر، ما كشفه أطباء خلال الحملات التحسيسية المتواصلة من سرطان الثدي، من أن نساء مصابات بسرطان الثدي، توقفن عن تلقي جُرعات العلاج الكيميائي، بطلب من مُعالجين شعبيّين، ما تسبّب في سرعة انتشار السّرطان في باقي أعضاء جسدهن وتسريع وفاتهن لاحقا.. !
وإلى ذلك، تُعرض في الأسواق الشعبية، وصفات يروج لها على أنها “قاضية على الجراثيم” أو “مقوية للمناعة” أو أنها الحل السحري لعلاج الزكام والدفتيريا، وحتى السرطان، تتكون من أعشاب غير معروفة المصدر أو المكونات.
ويؤكد بعض المواطنين أنهم جربوا هذه الخلطات، بعد أن فقدوا الثقة في العلاج الكيماوي لمرض السرطان، أو بعد تأخر مواعيدهم الطبية.
توقيف الدواء سلوك انتحاري
وفي الموضوع، حذر المختص في الصحة العمومية، فتحي بن أشنهو، من سلوك التوجه نحو المعالجين الشعبيين لعلاج أمراض خطيرة، معتبرا أن التداوي العشوائي بالأعشاب قد يؤدي إلى تسممات حادة أو مضاعفات قاتلة. ويرى بأن سبب تغلغل ظاهرة التداوي بالأعشاب في مجتمعنا، هو غياب ثقافة طبية علمية لدى فئات واسعة من المجتمع.
وقال ذات المختص لـ ” الشروق” بأن “الجهل الصحي يدفع المواطنين إلى التداوي بطرق بدائية، قد تودي بحياتهم”، والمؤسف، بحسبه، أن التوجه نحو الأعشاب لم يعد مقتصرًا على المصابين بالزكام وآلام المعدة وأمراض الحساسية، بل بات يشمل حتى مرضى السرطان الذين أوقف بعضهم علاجهم الكيميائي لاستبداله بخلطات عشبية “سحرية”، ما تسبب في تدهور حالتهم ووفاة البعض. ومصابون بأمراض الكلى، تسببت خلطات الأعشاب في تدهور صحتهم، وتوقفت كلتا الكليتين عن العمل.
وأكد بن أشنهو أن الطب الحديث لا يعارض الأعشاب، عندما تكون مدروسة ومراقبة مخبريًا، لكنه شدد على أن استبدال العلاج الطبي بالأعشاب أو إيقاف الدواء دون استشارة الطبيب هو “سلوك انتحاري، بكل معنى الكلمة، وهو ما جعله يطالب بتكثيف حملات التوعية في وسائل الإعلام والمدارس، للحدّ من هذه الظاهرة. مع ضرورة تدخل السلطات الصحية، لتنظيم تجارة الأعشاب ومراقبة الرقاة وباعة الخلطات العشبية العشوائية، بالتوازي مع تحسين خدمات القطاع الصحي لاستعادة ثقة المواطن.