التستـّر على الفضائح !
وزير السياحة -وقبله العديد من الوزراء والمسؤولين- دعا وسائل الإعلام إلى إبراز النقائص في قطاعه من أجل تصحيح الأخطاء وتنوير أصحاب القرار لإيجاد الحلول والبدائل، وهي دعوة جميلة ومشجعة، لكن ألا يجب رسم علامات استفهام وتعجب، أمام وزراء وولاة ونواب وأميار، لا يُريدون من الصحافة إلاّ أن تطبّل وتزمّر وتخفي النقائص والسلبيات؟
الغريب في بعض المسؤولين أنهم يبيّضون الأسود ولا يريدون أن يسمعوا سوى صوتهم ويروا إلاّ المشاهد التي لا تنغـّص عليهم برستيجهم، ولذلك لا داعي للتذكير بهؤلاء المسؤولين الذين حوّلوا وسائل الإعلام إلى “عدوّ حميم” يجب محاربته كلما أضاء الحقيقة بحسن نية، والأخطر من ذلك أنه كلما فضحت الصحافة إخفاقات أو تجاوزات أو فضائح، يُسارع المسؤولون المباشرون عن القطاع المعني إلى إصدار بيانات التوضيح والتكذيب، بدل فتح تحقيقات جادة!
قد يكون وزير السياحة جادا في دعوته، في وقت ما زالت الحكومة تعيش في غيبوبة طويلة، لكن دعونا نتساءل بكلّ براءة عن سرّ عدم تصحيح الأخطاء والانحرافات رغم عشرات ومئات الأخبار والتحقيقات والشهادات والاعترافات والوثائق التي نشرتها مختلف وسائل الإعلام المكتوبة والسمعية البصرية؟
روى لي أحد “المسؤولين”، والعهدة على الراوي، أن ممثلا لمجموعة من السيّاح في بلد أجنبي، خلال سنوات المأساة الوطنية، توجّه في ذلك البلد الأوروبي، إلى وكالة تابعة لشركة الخطوط الجوية الجزائرية، من أجل الحجز للسفر باتجاه الصحراء الجزائرية في رحلة من أجل الاكتشاف والاستجمام، لكنه سمع أنغاما من فم عون الوكالة بما سدّ آذانه، فقد قال له بالفم المليان: ولماذا ستذهب إلى الجزائر، الحالة ما تعجبش هناك!
هل بهذه الطريقة سترتقي السياحة وتتخلص من “الجياحة”، وهل هكذا يُستقطب السياح ويتمّ إقناعهم بزيارة الجزائر؟، وهل كان بالإمكان آنذاك معاقبة هذه العون المحرّض على تنفير السياح الأجانب؟.. هذا مجرد مثل بسيط عن درجة الاستهتار واللا مبالاة والتسيّب، التي أصابت الذهنيات فمرمدت وفرملت القرارات، وجعلت المبلغين عن التجاوزات والفضائح مجرّد “مجانين” رُفع عنهم القلم!
وزير سياحتنا، يقول بأن منح التأشيرة للسياح الأجانب، ليس مشكلا جزائريا فقط، لكن ألا يُمكن أن يكون مثل هذه المبرّر عذرا أقبح من ذنب، فهل يُعقل أن لا نمنح “فيزا” لرجل أعمال ومستثمر أراد زيارة الجزائر لدراسة فرص الاستثمار والتبادل التجاري؟، وبغض النظر عن “حقيقة” مُودعي طلب التأشيرة لدخول الأراضي الجزائرية، هل تمّ القضاء على كلّ العراقيل البيروقراطية لإنعاش المشاريع في بلادنا؟
حتى وإن كان العديد من المستثمرين الأجانب يُريدونها “وكالة من غير بوّاب”، وحتى إن كان بعض السيّاح يريدونها منتزها “ببلاش”، علينا أن نتساءل عن لغز تفوّق العديد من البلدان العربية والإسلامية على الجزائر في مجال السياحة والاستثمارات الخارجية.
ألم تكن الجزائر مقصدا للسيّاح الأجانب من مختلف بقاع العالم؟، لماذا نجحت تونس ومصر والمغرب وتركيا في اختطاف وتحويل هؤلاء “الزبائن” نحو أراضيها، وتحويلهم إلى رزق دائم تجني منه الملايير بالعملة الصعبة؟
.. نعم عقلية الجزائري “خشينة” وهو عايش بالنيف والخسارة، ولذلك يجد السائح في البلدان المذكورة وغيرها ما لن يجده في الجزائر، وهذه صناعة “ماد إين ألجيريا”، لكن هذا لا يبرّئ المصالح المعنية من مسؤوليتها في العشوائية وتكريس منطق “كل عطلة فيها خير” ومرض “راڤدة وتمونجي وتستنى الكونجي”!