الرأي

التعايش‭ ‬مع‭ ‬الفشل ‭!‬

جمال لعلامي
  • 5141
  • 5

راسلني أحد المتحصلين على البكالوريا، معلقا على عمود أمس الذي حمل عنوان: مع الخاسرين ظالمين أو مظلومين، وقال لي بأنك بهذا الموقف تشجع الفاشلين والمخفقين والمفلسين، وتسوّي بين الذين يعملون والذين لا يعملون.. والحال أن مع هذا الغاضب، جانبا من الحق، لكن لا ينبغي‭ ‬أن‭ ‬ننظر‭ ‬إلى‭ ‬الجزء‭ ‬الفارغ‭ ‬من‭ ‬الكأس‭ ‬فقط‭!‬

أبدا.. لا يُمكننا ولا يجب علينا أن نشجع الفاشلين والمخفقين والمفلسين والعاجزين، لأننا دفعنا الثمن غاليا والفاتورة أغلى، نتيجة الفشل والعجز والإخفاق، لكن هذا يبرّر بأيّ شكل من الأشكال، دفن كل متعثر والحكم عليه بالإعدام أو النفي، فمن حاول وأصاب له أجران، ومن‭ ‬حاول‭ ‬وأخطأ‭ ‬له‭ ‬أجر،‭ ‬والله‭ ‬لا‭ ‬يضيّع‭ ‬أجر‭ ‬المحسنين‭!‬

نحن عندما ندعو إلى التضامن مع المتعثرين، فإننا كنا نقصد المُخفقين في شهادة البكالوريا، فعددهم لا يقلّ عن 200 ألف متعثر، وهو رغم مخيف ومُرعب.. إنـّنا لا نقصد أبدا، لا اليوم ولا غدا، هؤلاء الذين فشلوا في الانتخابات وفي مناصب المسؤولية وفي تسيير المجالس المحلية،‭ ‬وأخفقوا‭ ‬في‭ ‬الحكومة‭ ‬والبرلمان‭!‬

لا يُمكننا أن نشجّع وزراء وولاة وأميار ونواب ومديرين ومسؤولين، تورطوا في فرملة المشاريع ووأد التنمية، وإنـّما هؤلاء يجب أن يُحاسبوا ويُعاقبوا وفق القوانين السارية المفعول، حتى لا تكون المؤسسات وكالة من غير بوّاب، وحتى لا يُسوّى بين العامل والمهمل، وبين الناجح‭ ‬والفاشل‭!‬

التضامن مع المخفقين في البكالوريا، لا يعني تشجيعهم لتكرار الفشل واستنساخ التكاسل والتقاعس خلال الموسم الدراسي، فمن جدّ وجد ومن غرس حصد، لكن لا ينبغي اغتيال الأمل والإرادة في نفوس جزائريين اخفقوا في “الباك”، لكنهم لم يخفقوا بالضرورة في معارك الحياة التي تبقى‭ ‬مفتوحة‭ ‬ومتاحة‭!‬

العاجزون هم أولئك الذين تحصلوا على شهادة البكالوريا دون أن ينجحوا فيها، وربّما دون أن يجتازوها لا مع الأحرار ولا مع النظاميين.. الفاشلون هم الذين عمّروا في وزارات ووظائف وأبقوا على قطاعاتهم نائمة راكدة جامدة.. والمُخفقون هم الذين لم يخدموا الشعب والدولة وحوّلوا‭ ‬مناصبهم‭ ‬إلى‭ ‬وسيلة‭ ‬لقضاء‭ ‬مصالحهم‭ ‬الشخصية‭ ‬والعائلية‭!‬

علينا جميعا أن نحارب الفشل والفاشلين مثل ما يُحارب الفساد والمفسدين، وهذا حتى لا يصبح الفشل امتيازا ووظيفة لمن لا وظيفة له، وتخصّص له الخزينة العمومية غلافا ماليا لتغطية نفقاته ومهازله، والتكفل بالمشرفين عليه والمروّجين له سرّا وعلنا!

نعم، لقد انتصرنا في العديد من المجالات بالإرادة والرجال، لكن الفشل أنهكنا، وأصبحنا ضحايا وأضاح لفشل بعضنا وإخفاق بعضنا الآخر، وقد فشلنا حتى في محاسبة الفاشلين بالتي هي أحسن، وفشلنا في قمع الفشل، وفشلنا في عزل الفاشلين والرّاعين للفشل، وفشلنا في فرض الناجحين‭ ‬على‭ ‬الفاشلين،‭ ‬وفشلنا‭ ‬في‭ ‬مكافأة‭ ‬الناجح‭ ‬ومعاقبة‭ ‬الفاشل‭!‬

مثلما للنجاح مهندسون، للفشل صنـّاع، فكم هو صعب، عندما يتحوّل الفشل والعجز إلى ظاهرة صحية، لا تستدعي استيقاظ الأطباء والبحث عن العلاج والدواء، حتى وإن كان آخره الكيّ، وكم هو مؤلم ومؤسف، لأنّ الأغلبية تعايشت مع الفشل وأصبحت مضطرة أو مخيّرة إلى تمجيد وتخليد الفاشلين‭!‬

إن‭ ‬انتصار‭ ‬الفشل‭ ‬تقرؤه‭ ‬مشاهد‭ ‬يزوّقها‭ ‬وزراء‭ ‬ونواب‭ ‬وولاة‭ ‬وأميار‭ ‬وقيادات‭ ‬حزبية‭ ‬وعدد‭ ‬لا‭ ‬يُستهان‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬صغار‭ ‬المسؤولين‭ ‬وكبارهم،‭ ‬وكلّ‭ ‬هؤلاء‭ ‬أجبروا‭ ‬البلاد‭ ‬والعباد‭ ‬على‭ ‬تقبّل‭ ‬الفشل‭ ‬كشرّ‭ ‬لا‭ ‬بدّ‭ ‬منه‭! ‬

مقالات ذات صلة