الرأي

التغبية بالإنقاذ !

جمال لعلامي
  • 5216
  • 7

أرقام رسمية لوزارة التربية، تقول أنه في العام 1994، تحصلت نسبة 65 بالمائة من المترشحين على البكالوريا بالإنقاذ، أي 35 بالمائة فقط نجحوا في الامتحانات بالفعل والعمل، وحتى إن كنـّا لا ندري إن كانت مثل هذه التصريحات، هي اعتراف بأثر رجعي، أو هي توبة متأخرة، أو هي “مزيّة” أهدتها وزارة “التغبية” أنذاك لجزائريين كانوا يعيشون حالة من الرعب وحظر التجوّل بسبب المأساة الوطنية!

عقلية الإنقاذ و”سلاّك الحاصلين”، هي واحدة من الأمراض التي أثقلت كاهل الجزائريين، وجعلتهم رهينة للكسل والخمول والاتكال، لكن هذا لا يعني التحريض على التعاون والتآخي و”فعل الخير”، لكن أن يُنقذ الغرقى بطرق غير شرعية ولا أخلاقية، فهذا الذي أدّى بالبلاد والعباد إلى الهاوية!

لقد تحوّل الإنقاذ إلى مكسب في نظر المقصيين من هذا الامتياز، ولكم أن تتصوروا كيف كانت وزارة التربية تنقذ الذين تحصلوا على 8.5 من 20 في امتحانات الشهادة وتمنحهم البكالوريا، قبل أن ترفع هذه المعدل إلى 9 ثم 9.5، إلى أن ألغت الإنقاذ وأصبح معدل 10 ضرورة للحصول على البكالوريا.

قد يكون من الظلم منح البكالوريا لمن تحصل على معدل 8.5، لكن قد يكون من اللاّعدل التراجع عن هذا الخيار وتمكين مترشحين من بكالوريا بالإنقاذ، ثم حرمان مترشحين آخرين من هذا “الامتياز الوطني” بعد سنوات، يبدو أنها كانت لتطبيق مبدأ “يتعلم الحفافة في روس اليتامى!”

الاعتراف بمنح بكالوريا بمعدل 8.5 بعد نحو 18 سنة، يعني في ما يعنيه أن كاشف هذه الحكاية، وكأنـّه يمنّ على المستفيدين، أو هو نادم على إنقاذهم، وهو ما يدفع اليوم المئات من المخفقين بسبب بضعة أجزاء مئوية إلى اليأس والإحباط، والشعور إمّا بـ”الحقرة” لأنهم حرموا من امتياز زملائهم السابقين، أو أنهم يشعرون بالفخر لأن وزارة التربية لم تنقذهم لتمنّ عليهم!

نعم، قديما قالوا: “دير الخير ونساه.. وإذا درت الخير تفكرو”، لكن علينا أن نفرّق جيّدا بين إنقاذ العالقين والمهدّدين في حياتهم والمتواجدين في خطر، وإنقاذ الفاشلين والعاجزين خارج قطاع التربية، بما يحوّل القطاعات إلى مرتع للتسيّب واللامبالاة ويمنح الأولوية للرداءة على الكفاءة!

مثلما لا يجب أن يتحوّل الإنقاذ إلى حقّ، فإنه لا ينبغي أن يكون جنحة أو جناية، لكن يجب دقّ ناقوس الخطر بشأن الإنقاذ العشوائي والإنقاذ غير العادل والإنقاذ الانتقائي والإنقاذي المبني على التمييز والمفاضلة والإنقاذ المؤقت!

هو رقم مرعب وإن جاء الإعلان عنه بعد 18 سنة، فأن يتحصل 65 بالمائة من المترشحين على البكالوريا بـ”الراشا”، فإن هذا يعني أيضا أن وزارة التربية التي تقول اليوم أنها تهتم بالنوعية على حساب الكمّية، كانت مولعة بالكمية على حساب النوعية، وقد أغرقت الجامعات بطلبة تحصلوا على “الباك” عن طريق الصدفة!

ليس عيبا ولا عارا عندما قال ناس زمان: “كمشة نحل ولا شواري ذبّان”، فلا معنى لحكومة بأكثر من 30 وزيرا، ولا فائدة من برلمان بأكثر من 400 نائب، ولا طائلة من بكالوريا ينجح فيها 70 بالمائة أغلبهم بالإنقاذ والغشّ والتساهل والعلاقات الإنسانية والتوصيات الشخصية مع الحرّاس والمصححين وكذا بتسريب الأسئلة!

مقالات ذات صلة