-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

التنبّؤ بالأحوال الجوية

عثمان عبد اللوش
  • 2584
  • 7
التنبّؤ بالأحوال الجوية

التنبؤ بالطقس أو المُناخ ليس بالمهمة السهلة. وهو يتضمن نمذجة العديد من الظواهر ذات الطبيعة المختلفة وتدخُّل العديد من العلوم، من الرياضيات إلى علم الأحياء، إلى علم الحاسوب  والفيزياء أو الكيمياء.

خلف السيدة  المقدِّمة (أو السيد المقدِّم) الأنيقة التي تقدِّم  كل ليلة على شاشة التلفزيون الجزائري توقُّعات الطقس للأيام المقبلة،  هناك حواسيب فائقة السرعة صُنعت لإدخال  عدد كبير جدا من القياسات التي  جرى الحصول عليها بشكل أساسي عن طريق الأقمار الاصطناعية، والعديد من قوانين الميكانيكا والفيزياء، ولكن أيضًا العديد من الرياضيات، وأحيانًا رياضيات حديثة جدًّا وأكثر تعقيدا.

لكي تقدم أجهزة الحاسوب التنبؤات، يجب تطوير ما يسمى نموذج التنبؤ الزمني العددي مسبقًا. من الناحية التخطيطية، يمثل نموذج التنبؤ هذا لمدة ثمانية إلى عشرة أيام حالة الغلاف الجوي من خلال قيم معايير الأرصاد الجوية (سرعة الرياح ودرجة الحرارة والرطوبة والضغط والسحب وما إلى ذلك) في مراكز «الصناديق أو علب» أبعادها نحو خمسين كيلومترًا طولا وعرضا وارتفاعها بضع عشرات إلى بضع مئات من الأمتار.  هذا التقسيمُ الخيالي للغلاف الجوي بأكمله إلى صناديق أمرٌ لا مفرَّ منه، لأنه من المستحيل تحديد معايير الأرصاد الجوية في جميع نقاط الغلاف الجوي (هذه النقاط عددها  كبير وغير محدود). من حيث المبدأ، كلما كانت الصناديق أصغر -وبالتالي كثيرة- كان وصفُ الحالة الجوية أكثر دقة، وكانت التوقعاتُ قريبة من الحقيقة. لكن من الناحية العملية، لا تقلّ أبعاد هذه الصناديق عن خمسين كيلومترًا؛ دون ذلك، لن تكون قدرة وسرعة أكبر أجهزة الحاسوب كافية للقيام بالعملية في وقت محدد: لأنه يجب إكمال الحساب في الوقت المناسب، أي في أقل بكثير من 24ساعة!

بدءًا من حالة الغلاف الجوي المفترَض المعروف في بداية الفترة التي سيجري التنبؤ بها، يحسب النموذج بواسطة الحاسوب تطوُّرَه المستقبلي باستخدام قوانين الديناميكيات والفيزياء. يُحسب التطور بمرور الوقت خطوة بخطوة، على فترات بضع دقائق. هذا هو مبدأ التنبؤ العددي بالوقت، وهو مبدأ معروف منذ بداية القرن العشرين ولكن انتظرنا السنوات 1940-1950 وظهور أول أجهزة الحاسوب قبل تنفيذه.

المشكلة الأساسية في مخطط التنبؤ المثالي الذي جرى وصفُه للتو، هي كيفية بناء «الحالة الأولية للغلاف الجوي».  والملاحظات غير كافية لهذه العملية. محطات الأرصاد الجوية الأرضية، والتي هي موزعة بشكل سيئ  في جميع أنحاء العالم وتوفّر عددًا قليلاً جدًّا من قياسات الارتفاع. أما الأقمار الصناعية، فهي في الغالب تقوم بالتمرير أو المرور، وهذا يعني أنها تمسح الأرض باستمرار. لذلك لا يتم الحصول على قياساتها في الوقت ذاته في جميع النقاط. وبالإضافة إلى ذلك، تقيس الأقمار الصناعية الكمِّيات المتكاملة على كامل سُمك الغلاف الجوي (عادة ما تكون تدفقات الطاقة المتلقّاة على نطاق معيَّن من الأطوال الموجية) وليس كميات الأرصاد الجوية (الرياح، ودرجة الحرارة، والرطوبة، وما إلى ذلك) التي تنطوي عليها معادلات النموذج.

بمجرد الإشارة الأولية إلى أن نموذج التنبؤ العددي يحتاج إلى معرفة، يبقى كتابة برنامج الحاسوب القادر على حساب الوقت المستقبلي من هذه الحالة الأولية وقوانين الفيزياء.  وهي تستند إلى وصف مستمر للمكان والزمان، ولكن نموذجنا الرقمي لا يعرف سوى عدد كبير ولكنه محدود من الصناديق. وبالمثل، فإن الفترات الزمنية بين حالتين محسوبتين هي عدة دقائق فقط، ويقال إن المشكلة «discrétisé». الانتقال من المعادلات المستمرة إلى المخططات العددية للنموذج الخفي modèle discrétisé، مع الحفاظ على أفضل دقة ممكنة، هو مجال التحليل العددي، وهو فرع من الرياضيات انفجر منذ وصول أجهزة الحاسوب.

الهدف من التحليل العددي هو حل المعادلات وإجراء الحسابات حتى النهاية، أي الحصول على قيم عددية دقيقة، بأقل وقت ممكن. من الضروري التأكد من أن المحاكاة ليست مرادفة للمحاكاة وتقييم عدم اليقين التنبؤي.  على سبيل المثال، جرى إحرازُ تقدم كبير جدًّا مؤخرًا في طرق محاكاة حركة الأنواع أو الجسيمات الكيميائية في الاضطرابات الجوية. أدت هذه التطورات إلى تحسين دراسة تلوث الهواء والتنبؤ به بشكل كبير.

وقد أشير حتى الآن إلى التوقعات القصيرة الأجل التي تتراوح بين 8 و10 أيام. لكن لماذا لا نضع توقعات طويلة الأجل؟ عالم الأرصاد الجوية الأمريكي إدوارد ن. لورينز، نشر مقالا شهيرا في عام 1963، أظهر أنه ربما كان ميؤوسًا منه، لأن        الغلاف الجوي نظام فوضوي، أي أيّ خطأ في الحالة الجوية الأولية، مهما كان صغيرا، يتضخم بمرور الوقت بسرعة إلى درجة أن التنبؤ لمدة 10 أيام يفقد كل أهميته.  ومع ذلك، هذا لا يعني أننا لا نستطيع التنبؤ بالمناخ، أي إجراء توقعات إحصائية بدلاً من توقعات حتمية، وإلقاء نظرة على متوسط درجات الحرارة أو هطول الأمطار على مدى مدة، بدلاً من الوقت المحدد الذي سيكون في تبسة أو تلمسان أو تيزي وزو أو تمنراست في  مثل هذا اليوم، المخاطر كبيرة : مناخُنا في المستقبل مهدَّدٌ بإطلاق الغازات من الأنشطة البشرية ويجب التنبؤ بالأثر الطويل الأجل لهذه الاضطرابات.

إن نظرية الأنظمة الديناميكية هي التي توفر الأدوات لتبرير نمذجة المناخ. هذا المجال، شهد تقدمًا مهمًّا للغاية في السنوات الماضية. وقد تتيح نظرية الأنظمة الديناميكية، تحديد ما يسميه علماء الرياضيات الجاذبات attracteurs، أو الأنظمة الزمنية régimes de temps لعلماء الأرصاد الجوية.  كما يوفر معلوماتٍ عن أنماط الوقت الأكثر قابلية للتنبؤ وغير المستقرة. وفي حالات عدم الاستقرار، تكون إحدى الأدوات الجيدة هي النمذجة الاحتمالية للمناخ، أي تصميم النماذج التي تستغرق وقتاً كافياً.

هذا لا يعني أننا لا نستطيع التنبؤ بالمناخ، أي إجراء توقعات إحصائية بدلاً من توقعات حتمية، وإلقاء نظرة على متوسط درجات الحرارة أو هطول الأمطار على مدى مدة، بدلاً من الوقت المحدد الذي سيكون في تبسة أو تلمسان أو تيزي وزو أو تمنراست في  مثل هذا اليوم، المخاطر كبيرة : مناخُنا في المستقبل مهدَّدٌ بإطلاق الغازات من الأنشطة البشرية ويجب التنبؤ بالأثر الطويل الأجل لهذه الاضطرابات.

يجب أن تستند نماذج من هذا النوع إلى أدوات حديثة جدًّا لنظرية المعادلات المشتقات الجزئية العشوائية والإحصاء.  وتشبه النماذج العددية للتنبؤ بالمناخ، مثل الإخوة، لنماذج التنبؤ بالطقس، مع اختلافين أساسيين. ولأسباب تتعلق بزمن الحساب، فإن «صناديقها» أكبر (200 إلى 300 كيلومتر)، محاكاة الأوقات التي تتراوح من بضعة أشهر إلى آلاف السنين، فمن المستحيل أن تكون أكثر دقة. لكن الاختلاف المهم هو أن الاختلافات المناخية تحدث على نطاقات زمنية طويلة، ولم يعد من الممكن إهمال التفاعلات بين الغلاف الجوي أو المحيط أو الجليد البحري أو حتى المحيط الحيوي.      لذلك، يجب أن يجمع نموذج المناخ بين نموذج الغلاف الجوي ونموذج المحيط ونموذج الجليد البحري ونموذج المحيط الحيوي. بالإضافة إلى التعقيد المعلوماتي لمثل هذا البناء، هناك مشاكل رياضية دقيقة على الطريقة الصحيحة للربط بين هذه المجالات وعلى مواصفات الظروف في واجهات الغلاف الجوي- المحيطي  والمحيطات وما إلى ذلك. ولكل هذه الأسئلة، لا يزال هناك قدرٌ كبير من التطور الرياضي.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
7
  • جمال

    مقالة جيدة، عن كواليس الأحوال الجوية... كتقني في الأحوال الجوية أشكر كل من الدكتور عثمان عبد اللوش ويومية الشروق على هذه المقالة الرائعة... رمضانكم كريم

  • أحمد عبدو

    صحة فطوركم وصح رمضانكم، مقالة في المستوى، نتمنى المزيد من مثل هذه المقالات في جريدتنا الشروق اليومي. والشكر مقدم للدكتور عثمان عبد اللوش..

  • حمرة طوافشية

    والله العظيم، إن مقالات الدكتور عثمان عبد اللوش المنشورة على صفحات يومية الشروق اليومي وما ادراك ما الشروق اليومي، تعتبر مفخرة للجزائر عموما، خاصة وأنها مقالات في ميدان هام واساسي وصعب، ولكن قلم الدكتور تخطى لك هذه الصعاب وبسط لنا هذه العلوم والتكنولوجيات الأساسية اليوم...

  • محمد الجلاصي

    ما يمتاز به قلم الدكتور عثمان عبد اللوش، هو بساطة اللغة ودقة التوضيح والوصف، في مواد علمية معقدة... أنا أتابع مقالات الرأي ليومية الشروق منذ مدة، والحق يقال، أن اسلوب الدكتور عثمان عبد اللوش ممتاز، وله طابع جزائري بحت. شكرا مرة ثانية ورمضانكم كريم..

  • عبدالكريم

    يجب هنا أن نحي كل من جريدة الشروق والدكتور عثمان عبد اللوش على مثل هذه المقالات العلمية والتقنية المبسطة، والتي تحفتح آفاق لطلابنا، وتزيد من تثقيف المجتمع، خاصة والسوق الاعلامية الجزائرية تفتقر للمجلات والصحف العلمية والتقنية. صح فطوركم ورمضانكم كريم

  • عبدلوهاب

    شكرا.. شكرا.. شكرا.. بصفتي اشتغل في الإرصاد الجوي على مستوى مطار هواري بومدين، اقولها صراحة "شكرا للدكتور عثمان عبد اللوش وليومية الشروق اليومي"، التي تشرقنا بمثل هذه المقالات الممتازة

  • ابن تمنراست

    الشكر الى جريدتنا الشروق التي تواصل في نشر مثل هذه المقالات العلمية والتقنية المبسطة، ومن طرف اقلام جزائرية ، والشكر ايضا للدكتور عثمان عبد اللوش الذي اكد اليوم بأن له قلم ممتاز في تبسيط العلوم والتكنولوجيا، وبكل صراحة ثقة كبيرة بأن مثل هذه المقالات تفيد ابنائنا الطلبة. رمضانكم كريم