الثقة المشبوهة
في المناظرة المباشرة التي جمعته بمرشح اليسار الفرنسي فرانسوا هولند، للدور الثاني من الانتخابات الرئاسية الفرنسية الجارية حاليا، قال الرئيس المنتهية عهدته نيكولا ساركوزي، عندما تعلق الأمر بالوضع في مالي ومنطقة الساحل الأفريقي على العموم، أن مفاتيح حل الأزمة وانفراج الأوضاع توجد بيد الجزائر، بما في ذلك تحرير الرهائن الفرنسيين الثمانية المحتجزين لدى المجموعات المسلحة.
والسؤال الذي يطرح نفسه من تلقاء نفسه تجاه هذه الخرجة الجديدة للرئيس ساركوزي واليمين الفرنسي الذي يمثله، هو كيف تخص فرنسا الجزائر بهذا الدور الكبير والخطير وما تتطلب تأديته من وسائل وإمكانات جبارة، وهي التي لا تعترف في الواقع العملي بهذه الجزائر كدولة مستقلة وذات سيادة ويمكنها التصرف بهذا الشكل؟. ومن أي زاوية ينظر الرئيس الفرنسي إلى الجزائر، عندما يقول أنه يضع فيها الثقة لمعالجة الأوضاع في المنطقة باعتبارها قوة إقليمية أولى أو أساسية، هل من زاوية اعتبار الجزائر والجزائريين مجموعة من السوبليتيف، خاصة وأنه جعل هذا الدور مرتبطا بالدعم والتنسيق الفرنسيين، كما كان الأمر أيام الاستعمار المباشر، أم من باب خص المستعمرات الفرنسية القديمة بأدوار جديدة لصالح فرنسا الميتروبول؟.
وفي تناقض صارخ آخر بنفس المناسبة، ألح ساركوزي على رفض التدخل الفرنسي المباشر في ما يجري بمنطقة الساحل بدعوى أنها البلد المستعمر السابق لغالبية بلدان المنطقة على الرغم من أنها كانت بالأمس القريب، ومنذ أسابيع بالتحديد تجعل من التدخل المباشر دينا لها، فتدخلت عسكريا ولاحقت المعارضين والإرهابيين وساندت الإنقلابيين في موريتانيا، مالي والنيجر وكوت ديفوار.. وأسالت أنهارا من الدماء في الحروب الأهلية لم تجف بعد في دول البحيرات العظمى الأفريقية.
وصحيح أن هذه التصريحات الفريدة والأولى من نوعها تأتي على خلفية الحملة الانتخابية للرئاسيات الفرنسية والصراع المحتدم بين المرشحين للاستحواذ على أصوات الناخبين، واستمالة المنتمين منهم إلى الأصول الجزائرية وهم كثر، ولكن هذا لا يمكن أن يفسر لوحده هذا الموقف الذي لا يمكن أن يمر دون أن تكون له نتائج سلبية، وربما عواقب وخيمة على الأوضاع في الساحل الأفريقي وعلى مواقف الجزائر وأدوارها ومسؤولياتها الحقيقية في هذه المنطقة التي جعلت السياسات التوسعية الاستعمارية لفرنسا عبارة عن قنبلة موقوتة شديدة المفعول، خاصة وهي لا تفتأ تتحدث بخصوص ما يجري عن تمرد التوارق، وتجعل منه السبب الأساسي لكل المشاكل وهي صاحب مشروع قديم لدولة التوارق في المنطقة.
ذلك ما يجعل بعض الملاحظين يذهبون دون تردد إلى اعتبار هذه التطورات أو هذه الثقة المشبوهة، وإن كانت تأتي في سياق الحملة الانتخابية للرئاسيات في فرنسا، كشرك من الشراك التي تحاول بعض القوى وعلى رأسها فرنسا، نصبها للجزائر لإجهادها وتبديد إمكاناتها كقوة إقليمية بالتحديد، وإلهائها عن معالجة مشاكلها الداخلية معالجة حقيقية، وما يسجله هؤلاء الملاحظون، وما يؤسف له هو انسياق بعض المسؤولين المؤثرين وبحماس كبير وراء هذا الطعم بدل السير والمسايرة بحذر وبخطوات محسوبة.