-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الجانب الإبداعي في مسار الأكاديمي عثمان سعدي

صالح سعودي
  • 615
  • 0
الجانب الإبداعي في مسار الأكاديمي عثمان سعدي

خلّف رحيل المجاهد والمناضل والباحث الأكاديمي عثمان سعدي فراغا كبيرا في الساحة الثقافية، ورغم وفاته نهاية شهر نوفمبر المنصرم إلا أن الأثر الذي تركه لا يزال يقابَل بالإشادة، وهو الذي سخَّر حياته في خدمة الجزائر من مختلف النواحي الجهادية والبحثية والنضالية، مثلما خدم البحث العلمي وسهر على الدفاع عن اللغة العربية مواجها أعداءها بكل شجاعة، مثلما ترك بصمته الإبداعية أيضا، وهو الذي صدرت له عدة روايات ومجموعات قصصية ومحاولات شعرية، وسار بذلك على خطى أبو القاسم سعد الله وعبد الله ركيبي والعديد من المجاهدين والباحثين والمثقفين من جيله.
اتسمت المسيرة الثقافية للمجاهد والمناضل والأكاديمي عثمان سعدي بالثراء والتنوع، إذ حرص على خدمة تراث وماضي الجزائر من النواحي التاريخية والنقدية واللغوية وحتى الإبداعية. وإذا كان المرحوم عثمان سعدي قد ترك بصمته في العمل الديبلوماسي منذ الاستقلال، إذ كان رئيس البعثة الدبلوماسية بالكويت بين سنتي 1963 و1964، ثم قائما بالأعمال بالقاهرة بين 1968 و1971، وبعدها سفيرا في بغداد بين سنة 1971 وسنة 1974 وأخيرا سفيرا في دمشق بين سنة 1974 وسنة 1977، فإنه تزامنا مع ذلك فقد عُرف بمساره النضالي دفاعا عن اللغة العربية ميدانا وتأليفا، بدليل كتابه حول “قضية التعريب في الجزائر” الذي صدر في بيروت عام 1967 ثم في القاهرة سنة 1968، وهي دراسة نبَّهت مباشرة بعد استقلال الجزائر إلى خطورة الإبقاء على هيمنة اللغة الفرنسية على إدارة الدولة الجزائرية المستقلة، لكن لم يجد المؤلف مطبعة لطبعه في الجزائر فطُبع في بيروت والقاهرة. كما كان له إصدار بعنوان “عروبة الجزائر عبر التاريخ” نُشر مطلع الثمانينيات، استعرض فيه عروبة الجزائر عبر التاريخ من الجانبين التاريخي والثقافي، وله عملٌ آخر بعنوان “الأمازيغ عرب عاربة”، صدر في الجزائر عام 1996 ثم في طرابلس سنة 1998. وكذلك “معجم الجذور العربية للكلمات الأمازيغية”، الذي طُبع في الجزائر سنة 2007 ونشره مجمع اللغة العربية في طرابلس ليبيا.
الملاحظ في مسيرة المجاهد عثمان سعدي عدم استسلامه للعمل الإداري والدبلوماسي، إذ أن له عدة إصدارات أكاديمية حرص فيها على إثراء المكتبة الجزائرية، من خلال تسليط الضوء على المنجَز الأدبي الجزائري وأثره في بلدان المشرق العربي، وفي مقدمة ذلك حضور الثورة التحريرية في الشعر، من ذلك كتاب بعنوان “الثورة الجزائرية في الشعر العراقي” الذي صدر في بغداد عام 1981 ثم في الجزائر 1985 و2001، وهو عملٌ ميدانيٌّ قام به المؤلف عندما كان سفيرا في بغداد، إذ جمع 107 شاعرا وشاعرة من العراق نظموا 255 قصيدة في الثورة الجزائرية، منهم شعراء كبار أمثال الجواهري وبدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي ونازك الملائكة وغيرهم. كما له كتاب آخر صب في ذات النهج حمل عنوان “الثورة الجزائرية في الشعر السوري”، طبع في الجزائر عام 2005، وهو عبارة عن عمل ميداني قام به المؤلف عندما كان سفيرا بدمشق في سبعينيات القرن الماضي. ويؤكد المرحوم عثمان سعدي في حوار كان قد خص به جريدة “صوت الأحرار” بأنه منذ سنة 1961 كان حلمه جمع شعر الثورة الجزائرية في الوطن العربي، مضيفا بالقول: “من خلال عملي كدبلوماسي كانت البداية بالشعر العراقي الذي جمعته في كتاب بعنوان “الثورة الجزائرية في الشعر العراقي” طبع في بغداد سنة 1981 وبالجزائر سنة 1985، جمعت فيه 107 شاعرا وشاعرة من العراق، نظموا 255 قصيدة في الثورة الجزائرية منهم شعراء كبار كالجواهري، بدر شاكر، السياب، عبد الوهاب البياتي، نازك الملائكة وغيرهم..”. وقال بخصوص الشعر السوري “جمعتُ من خلاله 199 قصيدة قالها 64 شاعرا وشاعرة في الثورة الجزائرية ويضم شعراءَ كبارًا كذلك، مثل الشاعر سليمان العيسى ونزار قباني وغيرهما.. لكن الظاهر أن الحزب الفرنكوفوني المسيطر على الدولة آنذاك شعر بخطورة ما أفعله فاستدعاني من العمل الدبلوماسي.. لكي يمنع إكمال هذا العمل الموسوعي لشعر الثورة الجزائرية بالوطن العربي”. علما أن لعثمان سعدي عملا أكاديميا آخر قام من خلاله بتحقيق كتاب “التراث الشعبي والشعر الملحون في الجزائر لمحمد البشير الإبراهيمي”، كان ذلك عام 2010. أما في الشق التاريخي فلديه كتابٌ بعنوان “الجزائر في التاريخ”، صدر في العام 2011، وتناول فيه موقع الجزائر في التاريخ من العصر الحجري وحتى 1954، واستغرق منه هذا العمل عشر سنوات، ناهيك عن محاضرات وأوراق ساهم فيها في ندوات وطنية وعربية وعالمية.

  قال بخصوص الشعر السوري “جمعتُ من خلاله 199 قصيدة قالها 64 شاعرا وشاعرة في الثورة الجزائرية ويضم شعراءَ كبارًا كذلك، مثل الشاعر سليمان العيسى ونزار قباني وغيرهما.. لكن الظاهر أن الحزب الفرنكوفوني المسيطر على الدولة آنذاك شعر بخطورة ما أفعله فاستدعاني من العمل الدبلوماسي.. لكي يمنع إكمال هذا العمل الموسوعي لشعر الثورة الجزائرية بالوطن العربي”.

وبعيدا عن الجهد البحثية التي عُرف بها الفقيد عثمان سعدي في التاريخ والأدب والنقد واللغة، فقد كانت له بصمته الإبداعية، من خلال عدة أعمال جمعت بين القصة والرواية والسيرة الذاتية والمحاولات الشعرية، حتى أن بعض النقاد تنبَّأوا له بقدرته على الذهاب بعيدا في مساره الأدبي الإبداعي لو تفرَّغ له بالشكل اللازم والكافي، لكن مع ذلك فقد ترك أثرا مهمًّا، من ذلك المجموعة القصصية التي عنونها بـ”تحت الجسر المعلَّق” (1973). كما له رواية “دمعة على أم البنين”، وهي رواية مرثية لزوجته، وله أيضا رواية “وشم على الصدر” التي صدرت عام 2006 بالجزائر، كما عُرف برواية “في ظلال قرطا”، وهي سيرة ذاتية صدرت عام 2010 عن دار الأمة وتبعها بجزأين آخرين. وعن مسيرته الإبداعية قال في حوار سابق خص به جريدة “صوت الأحرار” مطلع الألفية: “كتبتُ مجموعة من القصص مستوحاة من واقع الثورة الجزائرية بعنوان “تحت الجسر المعلَّق” وقد طُبعت في الجزائر وبغداد سنة 1974، وقبلها نُشرت في مجلة الآداب البيروتية في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، وقد اطَّلع عليها حينذاك مصطفى الأشرف حينما كان بالسجن وقد راسلني حول الموضوع يبدي إعجابه بها.
أما آخر ما صدر لي فهو رواية بعنوان “وشم على الصدر” سنة 2006 عن دار الأمة، وهي رواية تغطي أحداثها الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية للمجتمع بمنطقة الشرق الجزائري على مدى قرن بين القرن 19 والقرن 20، وتُبرز صراع الإنسان الجزائري مع الزمن الصعب تحت حكم الاستعمار الاستيطاني البشع، مضيفا أن هذا العمل الإبداعي بمثابة رباعية في قالب روائي عبارة عن نوع من السيرة الذاتية، أشبه بثلاثية نجيب محفوظ، فبعد الرواية الأولى وهي “وشم على الصدر”، تأتي الرواية الثانية وهي “في ظلال قرطا قسنطينة (والثالثة بعنوان “في ظلال أرض الكنانة”، تدور أحداثُها عندما كان طالبا بالقاهرة، تتلمذ لمدة أربع سنوات على يد الدكتور طه حسين.
رحل الفقيد عثمان سعدي وهو مقتنعٌ بأنه “لا مستقبل لهذا الجيل، إلا بالتمسك بهويته لتحقيق التنمية والرفاهية للإنسان الجزائري الذي عانى طويلا”، مؤكدا أن اللغة العربية منتصرة لا محالة، أحبَّ من أحب وكره من كره. في حين يجمع الكثير من العارفين بمسيرة الرجل على ضرورة الوقوف على منجزه الأكاديمي والإبداعي بالقراءة والتحليل. فيما يدعو آخرون مثل الكاتب محمد أرزقي فراد وزارةَ التربية إلى التفكير في إدراج بعض فقرات كتبه ضمن البرامج التعليمية، وهو ما يعدُّ تكريما يليق بمقامه المحمود.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!