-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
مواقع عالمية تشيد بصور التضامن وتحويل الأزمة إلى همّة

الجزائريون يردون على عشاق “النار”… بردا وسلاما بتبرعاتهم

عاصم بن منية
  • 159
  • 0
الجزائريون يردون على عشاق “النار”… بردا وسلاما بتبرعاتهم
ح.م

مواطنون أجّلوا أفراحهم ومصطافون ألغوا عطلهم وعادوا لديارهم

يمكن القول بأن الموسم السياحي الصيفي، قد أنهى أيامه بالنسبة لغالبة الجزائريين، فقد كان ومازال وسيبقى الاصطياف بالنسبة للجزائريين بحر وغابات، ولكن النار بعثرت ما في الخواطر فكانت العطلة الإجبارية من العطلة.
وبالرغم من أن ولايات عديدة مازالت تحصي ضحاياها وغابات أخرى مازالت ملتهبة كما هو حال بلدية تسالة لمطاعي بأقصى شمال ولاية ميلة، التي تعرضت لحريق مهول بمقبر أزرير ومنطقة بورجوان، إلا أن مناظر التضامن شفت غليل الحسرة.
ففي ولاية ميلة، شرع عدد من الجمعيات الخيرية والمواطنين عبر بلديات الولاية الـ32 في حملة ولائية واسعة لجمع أكبر عدد من المساعدات والتبرعات العينية لصالح المتضررين من حرائق الغابات بولايات جيجل وميلة وبجاية.

حتى أهالي الولايات المتضررة… يتطوعون
قال عدد من رؤساء الجمعيات الخيرية والمواطنين بولاية ميلة، إن العملية التضامنية التي تكفل بها محسنون ومئات المواطنين والتجار عبر مختلف بلديات ولاية ميلة، هي وقفة أخوية وتضامنية للرفع من معنويات العائلات المتضررة وتحسيسها بأنهم وسط عائلاتهم، وكان لها أثر إيجابي كبير في نفوس المواطنين المتضررين من الحرائق، حيث تم جمع مختلف المواد الأساسية من أغذية معلبة، حليب الرضع، حفاظات الأطفال، قارورات المياه، أغطية وأفرشة، ألبسة وأحذية، أدوية وضمادات وتبرعات عينية أخرى.
وحسب منظمي الحملة عبر تراب الولاية لـ”الشروق”، فقد تم تجميع التبرعات على مستوى مستودعات وساحات عمومية وشوارع المدن، حيث ستبقى العملية متواصلة طيلة أيام الأسبوع، إلى غاية التكفل التام بضروريات الحياة للمتضررين، حيث دعا عدد من رؤساء الجمعيات الخيرية، كافة أطياف المجتمع وأصحاب المال والأعمال ورجال الخير والمواطنين بولاية ميلة للمساهمة بقوة في تدعيم حملة جمع التبرعات وإنجاح هذه العملية والاستمرار في تنظيمها لإرسالها لإخواننا المتضررين من الحرائق في ولاية جيجل وبجاية وميلة، ورفع الغبن عنهم في هذه الظروف الصعبة.
ورسم أبناء جيجل صورة تضامنية فريدة من نوعها في ظرف صعب جدا تمر به الولاية، سواء بمبادرات فردية أو تحت لواء الجمعيات الخيرية، وقد وقفت “الشروق” على عينات من هذه الصور عبر عديد المناطق بالولاية، فالمار بمختلف أحياء مدينة جيجل، أو مدن البلديات الكبرى على غرار الطاهير، الميلية وغيرها، يشاهد مجموعات تقوم بجمع المساعدات بمختلف أنواعها، من مياه، أغذية، ألبسة، أدوية، وغيرها، وهو نفس ما تقوم به مختلف الجمعيات الخيرية، التي تعكف على جمع المساعدات والطرود الغذائية، وإيصالها إلى المناطق المتضررة، فيما فضّلت بعض النساء تحضير وجبات ساخنة على غرار الكسكسي و”شربة فريك” والسلطة والفواكه، في حين قامت أخريات بطهي “الكسرة” والتنسيق مع الجمعيات لإرسالها إلى المتضررين، حيث تتوجه الشاحنات المحمّلة بهذه المساعدات تباعا إلى البلديات والمشاتي المتضررة.

أئمة المساجد يدعون إلى إعانة المتضررين من الحرائق
تناول أئمة مساجد ولاية أم البواقي خلال خطبتي يوم الجمعة، ما تعرضت له عديد الغابات عبر عدة جهات من التراب الوطني التي التهمتها النيران متسببة في حرائق مهولة في كل من بجاية، جيجل، قالمة، عنابة وغيرها، الأئمة في خطبتي يوم الجمعة تناولوا وبينوا آثار هذه الحرائق وما خلفته من سلبيات على الثروة الغابية، واعتبروها واحدة من أكبر التحديات التي تواجهها الجزائر خلال هذه الصائفة، بسبب ارتفاع درجات الحرارة وقلة سقوط الأمطار، كما ساعد هبوب الرياح على انتشار النيران على نطاق واسع ومساحات شاسعة، وشرحوا للمصلين أهمية الغابة بيئيا، واقتصاديا واجتماعيا، وفوائدها في تلطيف الجو وما لها من فوائد، باعتبار أن الغابة نظام بيئي متكامل.
مذكرين بالأحاديث النبوية الدالة على الغرس الواجب على الإنسان القيام به، ولو كان في سكرات الموت كما ورد في الحديث النبوي الشريف، مبرزين أنه يجب على المسلم أن يقف مع أخيه المسلم في الظروف الحالكة، وما يجب أن نقوم به جميعا في تقديم الإعانات لهؤلاء الذين أصيبت ممتلكاتهم جراء المصيبة التي ألمت بهم، مؤكدين أن الشعب الجزائري لن يقف مكتوف الأيدي في مساعدة إخوانه في المحنة التي يمر بها ساكنة هذه الجهات من الوطن داعين إلى تقديم المساعدات كما عهدها المواطن الجزائري الذي عرف بوقوفه دوما مع أخيه الذي أصيب في ممتلكاته المختلفة التي تتطلب تقديم ما يمكن آن يقدمه كل واحد منّا للمتضررين، مذكرين بالآيات القرآنية الداعية إلى الوقوف مع المحتاج  والمنكوب، وما عودنا عليه الجزائري الأبي في مؤازرة أخيه عند المحن والشدائد وهي خصال ورثناها من رسولنا الكريم.
ودعوا إلى مكافحة حرائق الغابات التي لا تبدأ عندما تشتعل النيران، وإنما قبل ذلك بكثير من خلال إبراز أهمية الغابة والمحافظة عليها وتنظيفها من الأعشاب الجافة وتكثيف المراقبة خلال اشتداد موجات الحرارة، وتوعية المواطنين في كيفية المحافظة على سلامة الغابة وحمايتها من كل سوء، فالوقاية من حريق وأحد أفضل بكثير من محاولة إعادة بناء غابة احترقت، لأن الشجرة يمكن أن تغرس في يوم واحد، لكن الغابة تحتاج إلى عشرات السنين حتى تنمو وتستعيد وظائفها البيئية.

سطيف تحت شعار: “وليتنافس المتنافسون”
تحركت قوافل التضامن من سطيف والعلمة باتجاه المناطق المتضررة من الحرائق التي اجتاحت أجزاء من ولايتي جيجل وبجاية، حاملة معها المواد الغذائية والمياه والأفرشة والأغطية والملابس والأدوية ومختلف المستلزمات الأساسية، في هبة شعبية وإنسانية عكست مرة أخرى وقوف الجزائريين إلى جانب بعضهم البعض عندما تشتد المحن.
وبدأت الشاحنات والمركبات التجارية تتجمع عند مخرج مدينة العلمة، محمّلة بالمؤونة والمياه المعدنية والأغطية والحفاظات والأدوية وغيرها من المواد التي يحتاجها السكان المتضررون، قبل أن تنطلق في اتجاه المناطق التي خلفت فيها النيران خسائر بشرية ومادية معتبرة، وأتت على مساحات من الغطاء النباتي والثروة الحيوانية وممتلكات الأهالي.
ولم تكن الصورة في العلمة مجرد عملية لجمع مساعدات، بل مشهدا تضامنيا لافتا، بعدما سجل حضور كبير لشباب المدينة الذين تحركوا بعفوية، من دون انتظار غطاء جمعوي أو ترتيبات رسمية، واضعين إمكاناتهم ووقتهم في خدمة قافلة مفتوحة باتجاه المناطق المتضررة.
وبين شاحنات محمّلة بالمساعدات ومركبات تحمل ما تيسر من المواد الضرورية، كان الحضور الشبابي لافتا، في صورة تختصر الكثير من معاني النخوة والتكافل الاجتماعي التي لا تزال حاضرة بقوة في المجتمع الجزائري.
كما تحرك القطاع الصحي بسطيف على خط التضامن، حيث أعطى مدير الصحة والسكان للولاية علي بن كاملة إشارة انطلاق قافلة موجهة إلى جيجل، بالتنسيق مع قطاع الخدمات الجامعية، فيما شاركت المؤسسة الاستشفائية المتخصصة، مركز مكافحة السرطان بسطيف بإمكانات لوجستية وطبية، من بينها سيارة إسعاف مجهزة للتدخل والنقل الطبي الاستعجالي، وشاحنة تبريد مخصصة لنقل وحفظ المواد الطبية الحساسة للحرارة، إلى جانب حصص من الأدوية والمواد الصيدلانية.
وانطلقت كذلك من مستشفى “بني عزيز” قافلة تضامنية أخرى نحو جيجل، ضمن المبادرة التي نظمتها مديرية الصحة والسكان لولاية سطيف بالتنسيق مع قطاع الخدمات الجامعية، وضمت أكثر من 12 سيارة إسعاف وشاحنة محملة بالمعدات الطبية والأدوية وغيرها من المستلزمات، في خطوة تعكس انتقال التضامن من المبادرات الفردية إلى تعبئة قطاعية منظمة تستجيب للاحتياجات الاستعجالية للمناطق المنكوبة.
وفي خلفية هذه القافلة، تحضر أيضا ذاكرة التضامن التي عاشتها مدينة العلمة قبل أسابيع، عندما تحولت فاجعة حادث الحافلة ببومرداس إلى مأساة وطنية حركت الجزائريين من مختلف الولايات، ووجد أهالي الضحايا أنفسهم آنذاك أمام موجة واسعة من التعاطف والمساندة.

كل الولايات حوّلت الأزمة إلى همّة
في قسنطينة وتبسة وأولاد جلال وبسكرة وخنشلة، تعدّدت الولايات وبقي الهدف واحد، وهو إرسال ما يمكن إرساله إلى المناطق المتضررة، الصور هزت المشاعر وقوافل الإعانات كان لها أول وليس لها آخر.
المناطق الساحلية في شرق البلاد، من دون أن تعلن رسميا، دخلت في سبات، حيث غادرت غالبية العائلات مساكن الاصطياف، ومنهم من استأجر سكنا وتنازل عنه، حتى بدت شواطئ ولاية جيجل وسكيكدة والقالة وكأنها في زمن الشتاء.
حتى الأفراح تأجّلت وقرر العديد من المواطنين أن يؤجلوا أعراسهم أو يقيموها في شبه صمت مطبق.
في ولايات جيجل وسكيكدة وعنابة، غالبية المواطنين يصرون على أن تمر مواكب أفراحهم في المناطق الجبلية الخضراء، والصورة الآن مالت إلى السواد، فتعذر الفرح، على حد تعبيرهم… هي مأساة كبرى ودرس كبير.. وانتصار أكبر.

تدعيم شبكات الاتصال لفك العزلة
أطنان من المؤونة والأفرشة تصل تباعا قادمة من الولايات

يواجه سكان القرى والمشاتي المتضررة من حرائق الغابات بولاية جيجل، صعوبات كبيرة في الحفاظ على ما تبقى من رؤوس مواشيهم التي نجت بأعجوبة من ألسنة اللهب، بعدما التهمت النيران الأخضر واليابس، ولم تبق شيئا تقريبا في مناطق يعتمد سكانها بشكل كبير على تربية الأغنام والأبقار والماعز والدواجن كمصدر أساسي للعيش.
وعلى الرغم من حجم الكميات الهائلة من المساعدات التي وصلت ضمن القوافل التضامنية، قادمة من مختلف جهات الوطن إلى جيجل، وتشبع مراكز تجميع تلك المساعدات القادمة من مختلف الولايات، المتمثلة أساسا في المؤونة والأغذية والمياه المعدنية وحتى بعض أنواع الأدوية، غير أن العملية التضامنية والهبّة الشعبية التي أطلقتها مختلف ولايات الوطن، لازالت في حاجة إلى تنظيم أكبر حتى تكون تلك العملية ذات فاعلية وتستجيب لاحتياجات المتضررين في القرى والمشاتي البعيدة، وحتى للمرضى والمصابين في الحرائق، المتواجدين في مختلف مستشفيات ولاية جيجل.
وقد أطلق الأطباء بمستشفيات الطاهير وجيجل والميلية، نداء عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تضمن قوائم مطولة بشأن احتياجات تلك المستشفيات، من أدوية ومعقمات ووسائل علاجية للحالات الاستعجالية للمتضررين من الحرائق، حتى يتمكن الأطباء من التكفل الصحي الجيد بحالاتهم، حتى تجاوز مرحلة الخطر، جرّاء تعرضهم لإصابات وحروق خطيرة في مختلف أنحاء أجسادهم.
ولم يفوّت سكان المناطق الجبلية الفرصة للتنبيه إلى ضرورة تخصيص جزء من المواد الغذائية والأعلاف للحيوانات البرية التي نجت من ألسنة النيران، بعدما دمّرت الحرائق مساحات واسعة من الغطاء النباتي الذي كانت تعتمد عليه للحصول على غذائها.
وعلى صعيد آخر ولفك العزلة عن ولاية جيجل عموما والمناطق المتضررة خصوصا، باشرت مصالح قطاع البريد والمواصلات السلكية واللاسلكية، بالتنسيق مع متعاملي الهاتف النقال، عملية تدعيم شبكات الاتصالات، والشروع فعليا في وضع محطات متنقلة للاتصالات لتعويض المحطات المتضررة أو الخارجة عن الخدمة، وضمان استمرارية خدمات الهاتف والإنترنت، مع الاستعانة، عند الحاجة، بإعادة تنصيب بعض المحطات المتنقلة المستغلة مؤقتا على مستوى الشواطئ، وذلك بهدف تمكين مصالح الأمن والحماية المدنية وفرق الإغاثة والمتدخلين في الميدان من وسائل اتصال سريعة ومستقرة، بما يضمن التنسيق الفوري واستمرار عمليات التدخل والمساعدة.
وتواصل وصول القوافل التضامنية القادمة من مختلف ولايات الوطن، إلى ولاية جيجل، محمّلة بكميات معتبرة من الأغطية والأفرشة ومختلف المواد الغذائية، التي تم جمعها من طرف المواطنين في تلك الولايات، على أمل أن تصل قوافل أخرى محمّلة بما تحتاجه الولاية من مساعدات عينية تكون لها الفاعلية الأكبر لتجاوز آثار هذه الكارثة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!