الجزائر بالذات
هل أصبح عدم الاعتراف بدولة الأزواد، الكيان السياسي الجديد المعلن في شمال المالي من طرف واحد، يعني شيئا أو يفيد في استرجاع السلم والأمن الضائع إلى المنطقة، أو يخلص من الفوضى التي أصبحت سائدة في ربوع الصحراء الكبرى كلها؟ وحتى وإن كان هذا الكيان قد نال ما يكفي من الرفض الأفريقي والدولي لقيامه على حساب الوحدة الترابية لجمهورية المالي، فإنه سيظل قنبلة موقوتة تهدد وحدة واستقرار جميع دول الساحل الأفريقي، والدول المتاخمة للصحراء الكبرى، بما فيها الجزائر بطبيعة الحال، والجزائر بالذات لأنها معنية بالثورات العربية في المخطط الأمريكي الغربي، الذي يهدف إلى إقامة شرق أوسط جديد، يشمل العالم العربي وإفريقيا، لإعادة تقسيم النفوذ والسيطرة على مصادر المحروقات والثروات الطبيعية الضرورية، لاستمرار دوران عجلة الاقتصاد الغربي، الذي أصبحت أمريكا تسميه “الاقتصاد العالمي”، والذي يجب عدم المساس به أو عرقلته، حتى تمتلك ذريعة التدخل المباشر والاحتلال العسكري لحماية هذه المصادر!!
ويبدو أن المسؤولين الجزائريين بالذات، والوافدين منهم على الحكم في أعقاب انقلاب جانفي 1992 بالخصوص، لم يعوا حتى الآن طبيعة هذه الرهانات، سواء عن جهل أو عن عجز وعدم كفاءة وقصر في النظر إلى لأشياء، ولذلك تراهم اليوم مذعورين أمام جسامة الأحداث الجارية، بالقرب من حدود الجزائر الجنوبية، والتي لا أحد يدري متى تنتقل إلى الجهة الأخرى من هذه الحدود في إطار المخطط الأمريكي الفرنسي، وترى كيف أن الوزير الأول، أحمد أويحيى، لا يدري ماذا يقول، ولا وزير الخارجية مراد مدلسي ماذا يفعل، خاصة أن المساس بالجزائر وسيادتها في هذه الدوامة قد وصل إلى حد تعرض موظفي القنصلية الجزائرية بمدينة قاو المالية إلى الاختطافات بالجملة، في حين كان المفروض أن يدركوا منذ البداية في بداية القرن الواحد والعشرين والألفية الثالثة طبيعة الخطوات التي كانت تخطوها الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها، باتجاه زعزعة الوضع في الساحل الأفريقي والصحراء الكبرى، والتصريحات الصريحة والكثيفة التي كانت تعبر عن تلك الخطوات، والتي كان المسؤولون الأمريكيون يطلقونها بالتتابع، ومفادها أن أمريكا قد تعبت تماما من الصعوبات السياسية والأمنية الكبيرة، التي تصاحب التزود بالنفط والمحروقات من الشرق الأوسط والخليج، وهي بصدد الاتجاه إلى احتياطات إفريقيا الموجودة أساسا في منطقة الساحل والصحراء الكبرى، وبدأ هذا الاتجاه بالاستيلاء على المصادر الأساسية للنفط في السودان عبر دولة الجنوب الجديدة، ثم في التشاد عبر التسويات السياسية مع النظام العميل القائم، ثم في ليبيا عبر الانقلابيين الجدد، واليوم في مالي عبر الانقلابيين على النظام الشرعي، وقيام شبه دولة هجينة في الشمال بخليط من الأزواد وتنظيم القاعدة والمهربين من كل الآفاق.
وقبل ذلك، كان المفروض أن يعي هؤلاء المسؤولون الجزائريون أهمية عملية “تعليم” الحدود التي تمت في نهاية السبعينات وبداية التسعينات من القرن الماضي، بين الجزائر وجيرانها من الجهة الجنوبية، والتي كانت تسهل إلى حد كبير عملية تأمين هذه الحدود عسكريا واقتصاديا، وحتى بشريا، بحيث تكون محاربة الإرهاب والتهريب وبقية الآفات وتحقيق التنمية والاستقرار أسهل، ولكن بدل ذلك، انساق هؤلاء وراء السراب الأمريكي والغربي، في مكافحة الإرهاب الدولي والقاعدة التي اختلقتها أمريكا اختلاقا، للإيقاع بالأنظمة العربية والأفريقية البليدة، وتجنيدها من حيث تدري أو لا تدري، حول الأهداف الاستعمارية الأمريكية، فيما تظل الحدود مفتوحة على كل الأخطار والاحتمالات.
ويعتقد البعض أن إمكانية سد الأبواب أمام مشروع التدخل الأجنبي في الجزائر من الجنوب ما تزال موجودة في حالة واحدة فقط، هي أن يحدث التغيير السياسي المطلوب في الجزائر، ويقوم النظام بمبادرات جذرية لإصلاح نفسه وإصلاح غيره، خاصة وأن الجزائر معنية بهذا التدخل في إطار الشرعية الغربية للثورات العربة..
فليكن، ولكن ما يجب ألا يغيب عن الأذهان، هو أن ثمة الكثير من الجزائريين على استعداد لارتكاب “الخيانة” والاندماج في مشروع التدخل ضد الجزائر، من أجل الإطاحة بالنظام، وهذا ما يمكن أن يقرأ في المواقف والصحف إياها، وما تبديه من حماس لقيام دولة الأزواد والتدخل الأجنبي ككل في شؤون المنطقة.