الجزائر في حالة إثبات للبراءة
ما كان يخيف الكثير من الجزائريين من تبعات القانون الفرنسي الصادر سنة 2005 والخاص بتمجيد الاستعمار الفرنسي في الجزائر، حدث ويحدث هذه الأيام بمناسبة ذكرى 19 مارس 1962. وما حدث ويحدث هو أن المسؤولين الفرنسيين لم يفوتوا هذه الفرصة للإعلان عن تجريم جيش التحرير وجبهة التحرير الوطني بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في حق “الحركى” والكولون الفرنسيين.
فقد صنف هؤلاء المسؤولين الفرنسيين، وعلى رأسهم وزير الدولة المكلف بقدماء المحاربين، يوم 19 مارس الذي تحتفل به الجزائر كيوم للنصر، وصفه بـ”العلامة البارزة في محنة الحركى والمعمرين المهجرين الذين تعرضوا للمجازر (من طرف جيش وجبهة التحرير) ابتداء من هذا التاريخ وإلى غاية شهر جويلية.. ولذلك فإن هذا اليوم يمثل بالنسبة لفرنسا تذكيرا بالجراح العميقة”، ولهذا السبب حسب هذا المسؤوول فإن فرنسا لن تحتفل بهذا اليوم مع الجزائر. ولكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد: فالجزائريون أنفسهم لازالوا مترددين في ترسيم هذا اليوم كيوم للنصر ويواصلون الاحتفال بـ5 جويلية كعيد للاستقلال، في حين أنه يوم شك رسمته فرنسا لتشكيك الجزائريين في أنفسهم وفي ثورتهم ومواقفهم من الاستعمار من خلال الاستفتاء الذي نظمته لهذا الغرض لسؤالهم عما إذا كانوا يريدون الاستقلال، أم مواصلة البقاء تحت الاستعمار، وفي هذا اليوم بالذات –يوم 5 جويلية– لتذكرهم بيوم الإنزال بسيدي فرج من سنة 1830م، وليظلوا يحتفلون به ويمجدون الاستعمار الفرنسي من تلقاء أنفسهم؟
ولكن السلطات الفرنسية ما كانت لتتجرأ وتخطو هذه الخطوة العملاقة وتتحدى حتى إرادة الشعب الفرنسي وتنتقل من تقنين تمجيد الاستعمار إلى تجريم الثورة الجزائرية، وقريبا تجريم كل الشعب الجزائري بأجياله الماضية التي رفضت الاستعمار، لولا تخاذل الجزائريين في الرد الملائم على قانون تمجيد الاستعمار، بل لولا ذهاب البعض من هؤلاء الجزائريين إلى دعم هذا القانون وتكريسه من خلال استعمال كل الوسائل، حتى الدنيئة منها، لمنع مجرد مشروع قانون جزائري لتجريم هذا الاستعمار من المرور لمجرد المناقشة في المجلس الشعبي الوطني من طرف المسؤولين الجزائريين الكبار وعلى رأسهم الوزير الأول أحمد أويحيى والممثل الشخصي لرئيس الجمهورية عبد العزيز بلخادم، والإثنان يقودان الحزبين اللذين يستعملهما النظام في حكم البلاد، وهو ما يؤشر على مدى التواطؤ الرسمي الكبير والمتشعب والمعقد لهذا النظام مع المشاريع الاستعمارية الفرنسية الجديدة في الجزائر، وخاصة عندما يختمها عميد مسجد باريس، المحسوب على النظام الجزائري، بإعلان ولائه المطلق لنيكولا ساركوزي ودعمه في ترشحه للرئاسيات الفرنسية، وهو قائد كل هذه الحملات التي تهدف إلى المساس بتاريخ وسيادة الجزائر ورهن مستقبلها لقوانين التجريم والاتهامات التي تؤدي إلى محكمة الجرائم الدولية، وعلى الرغم مما يحمله هذا المرشح من حقد ومشاريع هدامة وإهانات للجزائر والجزائريين، خاصة منهم المهاجرون.
هؤلاء الجزائريون، وأمام هذه الهجمات المحمومة والتواطؤ الداخلي، لم يعودوا في موقع المطالبة باعتراف فرفسا بجرائمها في حق أسلافهم، ولكنهم في حالة الدفاع، ومن موقع الضعف، ضد تجريمهم على ثورتهم وتحررهم واستقلالهم على الرغم من أنه غير تام أو غير مكتمل؟