-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
رؤية الرئيس تبون في مشروع غار جبيلات:

الجزائر من ثروات الريع إلى اقتصاد السيادة

ساعد عروس
  • 222
  • 0
الجزائر من ثروات الريع إلى اقتصاد السيادة
رئاسة الجمهوية (شبكات)

لم يكن يوم الفاتح من فيفري مجرد موعد تقني لتدشين مشروع منجمي، بل تحوّل إلى لحظة وطنية كثيفة الرمزية والدلالة، حين حلّ رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون بولاية بشار، محاطاً بممثلي الأمة، والسلطات المدنية والعسكرية المركزية والمحلية، وأعيان المنطقة وممثلي المجتمع المدني، ليعطي إشارة الانطلاق الفعلية لاستغلال منجم غار جبيلات، أحد أكبر احتياطيات الحديد في العالم، في مشهد أعاد إلى الأذهان محطات السيادة الكبرى في تاريخ الجزائر الحديثة.

ولم يكن اختيار هذا التاريخ اعتباطياً في رمزيته، إذ جاء متكئاً على روح تأميم المحروقات المصادف لـ24 فيفري 1971، ذلك القرار التاريخي الذي حرّر الإرادة الاقتصادية الوطنية قبل أكثر من نصف قرن، ليأتي غار جبيلات اليوم امتداداً لنفس المنطق السيادي: من استرجاع الثروة الباطنية إلى تحويلها إلى رافعة تنمية حقيقية، ومن اقتصاد ريعي هشّ إلى اقتصاد منتج متنوع.

إنها لحظة تؤسس لمرحلة جديدة في مسار الجزائر الاقتصادي، حيث تتحول الصحراء من هامش جغرافي إلى قلب نابض للصناعة الوطنية، وتتحول الثروة الراكدة إلى قوة إنتاجية استراتيجية تعيد رسم موقع البلاد في الخارطة المنجمية الإقليمية والدولية.

عملاق نائم يستيقظ بعد سبعين عاماً:

تصف التقارير منجم غار جبيلات بـ”العملاق النائم”، الذي ظل خامداً لما يقارب سبعين سنة منذ اكتشافه مطلع خمسينيات القرن الماضي على يد مهندسين فرنسيين إبان الحقبة الاستعمارية. ورغم إدراجه بعد الاستقلال ضمن المخططات الاستراتيجية الوطنية، خصوصاً في سبعينيات القرن الماضي، ظل المشروع رهين العراقيل اللوجستية والمالية والتقنية، وفي مقدمتها غياب البنية التحتية الثقيلة، وبعد الموقع الجغرافي عن مراكز التحويل والموانئ.

اليوم، يتحقق ما كان مؤجلاً لعقود، بعد أن تجاوزت الجزائر تلك القيود بإرادة سياسية واضحة، واستثمارات ضخمة في البنية التحتية، وعلى رأسها مشروع خط السكة الحديدية الرابط بين تندوف وبشار، والذي يشكل الشريان الحيوي الذي سيحوّل المنجم من احتياطي معزول إلى ثروة متحركة ومنتجة.

ويُعد غار جبيلات ثالث أكبر منجم حديد في العالم، باحتياطات تُقدّر بنحو 3.5 مليارات طن، ما يضع الجزائر مباشرة في مصاف القوى المنجمية الكبرى.

السكة الحديدية… قرار سيادي يغيّر قواعد اللعبة:

اعتبرت تقارير اقتصادية ودولية أن نجاح الجزائر في ربط المنجم بخط سكة حديدية يمتد لأكثر من 900 كيلومتر هو “أجرأ خطوة اقتصادية” لكسر ما وصفته تلك التقارير بـ”لعنة النفط”، وتغيير حقيقي لقواعد اللعبة في شمال أفريقيا.

فهذا الخط الاستراتيجي لا يربط مجرد نقاط جغرافية، بل يربط الثروة بالإنتاج، والمنجم بالصناعة، والصحراء بالاقتصاد الوطني والعالمي، ويمتد ليصل إلى وهران، حيث مصانع الصلب وعلى رأسها مركب توسيالي، ثم إلى ميناء وهران للتصدير نحو الأسواق الدولية، خاصة الأوروبية.

وتشير التقديرات إلى أن كلفة المرحلة الثانية من المشروع حتى عام 2027 تُقدّر بنحو 15 مليار دولار، في استثمار سيادي طويل الأمد سيتيح إنتاج ما بين 2 و4 ملايين طن سنوياً في المرحلة الأولى، وصولاً إلى 50 مليون طن سنوياً في المرحلة الثالثة، وهو ما يمكن أن يدرّ على الجزائر عائدات تقارب 4 مليارات دولار سنوياً.

وقد وصلت فعلياً أول شحنة من خام الحديد مساء الخميس الماضي إلى مصانع التحويل بوهران، بعد رحلة قطار قطع قرابة 2000 كيلومتر، في حدث تاريخي يُتوّج انتظاراً دام أكثر من سبعة عقود.

من الخام إلى القيمة المضافة… نحو اقتصاد صناعي متكامل:

لم تكتف الدولة الجزائرية بخيار استخراج الخام وتصديره، بل انتقلت إلى منطق تثمين الثروة وتحويلها محلياً.

فقد صادق مجلس الوزراء في نوفمبر الماضي على إنشاء مصانع لمعالجة خام الحديد في تندوف وبشار والنعامة على امتداد خط السكة الحديدية، في إطار شراكات وطنية ودولية لإنتاج مركزات الحديد والصلب.

ويرى خبراء أن هذا التوجه سيخفض بشكل كبير تكاليف النقل، ويعزز تنافسية المنتج الجزائري، ويربط المنجم مباشرة بالشبكة الصناعية الوطنية، بما يشمل صناعات السيارات، والأجهزة الكهرومنزلية، والبنى التحتية الكبرى.

ويُتوقع أن تنقل القطارات يومياً ما يصل إلى 170 ألف طن عبر عشر رحلات، في منظومة لوجستية ضخمة تجعل المشروع واحداً من أكبر المشاريع الصناعية المتكاملة في أفريقيا.

حين تستيقظ الثروة وتُعاد كتابة مستقبل الجزائر الاقتصادي:

لا يمكن قراءة مشروع غار جبيلات بمعزل عن الرؤية الاستراتيجية التي يقودها رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، والرامية إلى تحرير الاقتصاد الوطني من التبعية لمداخيل النفط والغاز، وبناء قاعدة إنتاجية متنوعة تقوم على الصناعة والفلاحة والتعدين.

فالرئيس تبون لم يتعامل مع المنجم كملف تقني مؤجل، بل كخيار سيادي محوري في مشروعه التنموي، فحسم قرار ربطه بالبنية التحتية الثقيلة، ووفّر الغطاء السياسي والمالي لتجسيده، وأعاد إدراجه في صلب معركة التحول الاقتصادي.

وقد عبّرت التقارير الدولية بوضوح عن هذا التحول، معتبرة أن الجزائر “لم تعد مجرد محطة وقود لأوروبا”، بل تتحول إلى “عملاق منجمي صاعد”، يمتلك ميزة تنافسية كبرى بفضل قربه الجغرافي من الأسواق الأوروبية وانخفاض تكاليف الشحن مقارنة بموردي أمريكا الجنوبية.

الرد على المشككين… حين تتكلم الوقائع وتسقط الأوهام:

وفي مواجهة الأصوات التي اعتادت التشكيك كلما خطت الجزائر خطوة واثقة نحو بناء اقتصادها المنتج، يأتي مشروع غار جبيلات ليضع حداً نهائياً لثقافة التهوين والتقليل، ويؤكد أن منطق الدولة الجزائرية الجديدة لم يعد يُبنى على الشعارات، بل على الأرقام والإنجازات الملموسة.

فليس من قبيل الخطابة الحديث عن احتياطي يتجاوز 3.5 مليارات طن، ولا عن استثمارات بمليارات الدولارات في السكك الحديدية والمصانع التحويلية، ولا عن قطارات بدأت فعلياً تنقل الثروة عبر آلاف الكيلومترات.

والمشككون يتغافلون عن حقيقة أن الدول الكبرى لم تُبنَ في سنوات قليلة، بل على قرارات سيادية جريئة واستثمارات طويلة النفس، تماماً كما تفعل الجزائر اليوم.

إن غار جبيلات ليس مغامرة اقتصادية، بل خيار سيادي محسوب، يستند إلى دراسات دقيقة، وشراكات تقنية، ورؤية وطنية بعيدة المدى، هدفها بناء ثروة مستدامة تقلل من هشاشة الاقتصاد أمام تقلبات أسعار الطاقة.

فالقطار الذي انطلق من تندوف لا يحمل خام الحديد فقط، بل يحمل رسالة سياسية واضحة: الجزائر قررت امتلاك قرارها الاقتصادي، والتحكم في مواردها، وتوجيه ثرواتها لخدمة التنمية الوطنية لا الارتهان للأسواق.

والرد الحقيقي على المشككين لم يعد في الخطابات، بل في السكة الممتدة عبر الصحراء، وفي المصانع التي تُشيّد، وفي آلاف فرص العمل التي تُخلق، وفي اقتصاد بدأ فعلياً يتنوع ويتحرر.

أبعاد اجتماعية وجيوسياسية تتجاوز الأرقام:

إلى جانب بعده الاقتصادي، يحمل مشروع غار جبيلات رهانات اجتماعية وتنموية كبرى، من خلال تنشيط الجنوب الغربي، وخلق آلاف مناصب الشغل، وسد الفراغ الجغرافي في الصحراء، وتحويل المنطقة إلى قطب لوجستي وصناعي.

كما يعزز المشروع موقع الجزائر في أفريقيا، خاصة مع الطريق الرابط بين تندوف والزويرات الموريتانية بطول 701 كيلومتر، ما يفتح آفاق تصدير جديدة نحو غرب القارة.

أما جيوسياسياً، فيضع الجزائر كلاعب استراتيجي في سوق الحديد العالمي، ويمنحها ورقة قوة جديدة في معادلات الاقتصاد الدولي.

خاتمة…. حين تتحول السيادة إلى إنجاز:

غار جبيلات ليس مجرد منجم، بل عنوان لمرحلة جديدة في تاريخ الجزائر الاقتصادي، مرحلة تنتقل فيها الدولة من استغلال مورد واحد إلى بناء اقتصاد متكامل متنوع، ومن انتظار الثروة إلى صناعتها.

هو تجسيد عملي لرؤية رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون في بناء جزائر منتجة قوية، تمتلك قرارها الاقتصادي، وتحوّل ثرواتها إلى أدوات سيادة وتنمية.

وفي ذلك المشهد المهيب يوم الفاتح من فيفري، حيث اجتمعت مؤسسات الدولة والشعب حول هذا المنجز، بدا واضحاً أن الجزائر لا تدشن مشروعاً فحسب، بل تدشن مساراً تاريخياً جديداً، عنوانه: التحرر الاقتصادي، والسيادة الإنتاجية، والتموقع بثقة بين القوى الصاعدة.

غار جبيلات اليوم ليس حلماً مؤجلاً، بل واقعاً يتحرك، وثروة تستيقظ، ورسالة واضحة للعالم:

الجزائر عادت… قوية بثرواتها، واثقة بقراراتها، وصانعة لمستقبلها.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!