الجزائر من جديد
على مدار يومين، شغل المحامون الجزائريون من خلال نقابتهم الرأي العام حول القضية الفلسطينية في مؤتمر دولي عقدوه بعاصمة الجزائر.. لم يكن جديدا خطاب الجزائريين ولا لغتهم الخاصة، ولكن الملفت حقا أن حرارة القضية الفلسطينية قد تجلت كما لو كان الجرح في أيامه الأولى.. وكانت كلمات المشرفين والنقباء مدللة بوضوح على حجم إيمان المحامي بقضية عادلة ينذر نفسه لكي يبتها في واقع مشوش تثار فيه الزوابع والقضايا الأخرى للتعمية عليها.
لم يكن المحامون الجزائريون في مؤتمرهم الدولي يستعرضون نصوص المواثيق الدولية ولا يذكرون بشرعية القرارات والمعاهدات فقط.. بل الأهم أنهم يتكلمون بروح المناضلين والمقاتلين في الخندق الأول دفاعا عن فلسطين شعبها وأرضها ومستقبلها، فكانوا بحق خير محامين لأنبل قضية.
من جديد يكشف الجزائريون لإخوانهم الفلسطينيين عن أصالة موقفهم من أن فلسطين المباركة ليست ملكا للفلسطينيين فقط بل هي للأمة كلها، وأن الجزائريين لن يقبلوا بشكل من الأشكال المساومة والتفريط بهذا الحق المقدس مهما بلغت المؤامرات ومهما حاول الغربيون إشغال الأمة بما يلهيها، ويرسل الجزائريون على طريقتهم المباشرة الواضحة الصارمة أن لايظننّ أحد أنه بالإمكان الاستفراد بفلسطين وشعبها وقضيتها، وإن الجزائر في موقفها إنما تعبر عن ضمير الأمة وروحها المنتصرة، فمن سوى الجزائر يمكنه أن يعبر باسم الأمة؟! وهل يحق لسوى المنتصر أن يتكلم باسم الأمة في المعارك؟
مؤتمرٌ دولي عظيم يعقد في الأوراسي يحضره نقباء المحامين الجزائريين وضيوفهم من شتى العالم يرفعون التوصيات ويشكلون الهيئات لملاحقة المجرمين الصهاينة على ما اقترفوه بحق شعب فلسطين.. مؤتمر يعيد إلى الأذهان والوجدان تلك المؤتمرات التي طالما زخرت بها الجزائر دفاعا عن فلسطين ونصرة لها، حتى أصبحت الجزائر بلا أدنى شك هي الواحة التي يستظل بها الفلسطينيون من رمضاء العرب، وملجأهم من سهام الأنظمة والقوى العنصرية..
مؤتمر هو الأهم والأجدى والأنفع، ليس لأنه بهذا الحجم فقط، ولكن لأنه بتلك الروح العظيمة؛ روح الانتصار وروح النضال.. ومن هنا يكتشف الفلسطينيون الرسميون أن لهم ظهيرا حقيقيا ولهم أن يفتخروا بأمتهم فلا يهِنوا ولا يحزنوا ولا يظهروا لعدوّهم ضعفا ولا لينا غير محمود.. ويكتشف الفلسطينيون في غزة العزة.. غزة الملحمة الاسطورية أن دمهم لا يذهب هدرا وأن آلامهم العظيمة هناك من يسمعها بدقة ويتحرّك بفاعليتها بعنفوان.. ويكتشف الفلسطينيون في كل مكان: في القدس والخليل ورام الله وجنين أن قهر الاحتلال لا يقف عند حدود الوطن فلسطين، بل إن هناك أمة ترفض وتأخذ براية المظلة وتطارد المجرمين.
إنها الجزائر؛ بلد الانتصار وبلد النضال.. إنها الجزائر واحة الحرية والكرامة.. إنها الجزائر القدوة والقائدة والرائدة عمود البيت وتاج العرب والمسلمين، فمن سواها في هذا الظلام الدامس يصحح المسار ويلغي الضلال ويعلن أن البوصلة فلسطين؟!.. حيا الله الشهداء والمجاهدين والثوار، وحيا الله شعبا يسير على هديهم.. تولانا الله برحمته.