الجمعة 1
الحراك الذي عرفته الجزائر منذ أكثر من أسبوع، بداية من الخروج الجزئي إلى الشارع الجمعة 22، ولأول مرة في مظاهرات سلمية منذ أكثر من عشر سنوات، تطالب بالعدول عن الاستمرار في مسار التمديد للرئيس المنتهية ولايته في عهدة خامسة، والتي كانت سلمية وحضارية بامتياز تعاملت معها قوى الأمن بكل احترافية، يبدو أنها فتحت الشهية أمام تحركات عامة في كل المدن نظمتها مختلف الشرائح الطلابية والحقوقية والفئات المثقفة، كانت سلمية بامتياز منظمة ونظيفة من كل أشكال العنف والتخريب لم تشهدها الجزائر من قبل إلا ضمن ما كنا نراه ونشاهده فيما كان يُسمى بـ”المظاهرات العفوية” التي كانت تنظِّمها السلطة والحزب بإخراج العمال والموظفين من العمل ونقلهم إلى الشوارع والساحات على متن شاحنات المؤسسات الاقتصادية والإدارة المحلية: مظاهرات سلمية مسانِدة هذه المرة.. مظاهرات منظمة لكنها غير مسانِدة للحكم، على العكس، تطالب بمطلب لا يريده نظام الحكم في العموم.
غير أن تدخل بعض المحيطين بالرئيس واستهانتهم بالحراك الشعبي فاقم الغضب الشعبي المُطالِب بإلغاء العهدة الخامسة وأجَّج ردود الفعل على مستوى وسائل التواصل الاجتماعي التي هبَّت إلى نداءٍ مليونيٍّ يوم غد الجمعة أول مارس لتأكيد المطلب في تحدٍّ للتحدي.
مازاد في الطين بلَّة، هو تحدي الجهاز التنفيذي للشارع من خلال رئيسه الذي لا يزال متشبِّثا بالمسار الانتخابي ضمن منطق الاستمرارية في منطق العهدة الخامسة، وهو ما ذهب إليه رئيس حملة الرئيس المنتهية ولايته عبد المالك سلال عندما أعلن أن الرئيس سيقدِّم ملف ترشحه في الآجال القانونية يوم 3 مارس. وهذا ما زاد من شدة رد الفعل لدى الشارع الذي يتأهَّب لـ”جمعة غضب” كما سماها مقري. ولعل هذا ما جعل الموالاة تسحب دعوتها لتجمُّع 2 مارس، بعدما حصلت على إشارة على أن السلطة ماضية في منطق إجراء الانتخابات في موعدها دون أي تغيير ولا إلغاء ترشُّح ولا ترشيح اسم آخر.. إنه التحدي والتحدي المعاكس، وهو ما يُنذر بتصعيد على مستوى حراك الأيام القادمة ومنها يوم غد الجمعة الذي يعدُّ مفصليا، ويُحسب له ألف حساب، إنْ على مستوى الشارع الغاضب مرتين: من الاستمرار في الاستمرارية من جهة ومن الاستمرار في تجاهل المطلب وما يراه الشارع استفزازا له واحتقارا وانتقاصا من قيمته، أو على مستوى أجهزة الحكم، بما يفيد أننا نتجه إلى منطق تصادمي إذا لم تخفف حدة الغضب الشعبي لدى السلطة ولكن أيضا تخفيف اللهجة لدى المعارضة الشعبية التي بدأت تتحدث عن التصعيد والعصيان أيضا. لغتان قد تؤججان الغضب من الطرفين ما قد ينجرُّ عنه احتكاكٌ بين المتظاهرين السلميين إلى حد الآن، والقوات الأمنية المنضبطة الضابطة للنفس.