الجنون
بقيت أمس بعد الصلاة، في بيتي لم أخرج كالعادة. فلقد جاءني أخي وزجته بعد الفطور، واجتمعت العائلة كلها على موضوع واحد لحكايات متعددة عن الجن والأرواح..وما شابه. أخي المتخصص في هذه الحكايات، يقول أنه التقى ورأى أكثر من مرة أشباحا وجنا في الريف لما كان يسرح الغنم. ما بين مكذب ومقتنع ومتخوف وخائف ومتسائل، وفضول ومستمع ومازح..
دار النقاش وكثرت الروايات والأحاديث، حتى أن ابنتي الصغرى راحت تقول بكل ثقة أن بيتنا مسكون وأنها تسمع كل يوم وترى أشياء تتحرك لما تكون وحدها في البيت. لا أحد صدقها، بل سألوها مكذبين: كيف تتحرك الأشياء إلا لما تكوني وحيدة في البيت، لماذا لا تتحرك عندما يكون واحد آخر حاضرا؟ هل معنى هذا أن الجن يخافون من الآخرين ولا يخافون منك.. اللهم إلا أذا أنت كنت منهم!..المهم..حكايات وحكايات عن الأرواح المغدورة التي “تخرج” ليلا في الشعاب والوديان تجر السلاسل أو تنادي أو تئن أو تصرخ. وحكايات أخي مع الأشباح التي أخي صادفها مرات ومرات: المرة الأولى بجوار بئر، عندما وجد كلبا أسود مضطجعا بجوار البئر في البراري. نهره، فرد عليه الكلب: مانيش في دار بوك. هرب أخي وجرى وترك خلفه نعاله وجزءا من سرواله عالقا في شوك سدرة مر بها في الظلمة الظلماء. ومرة، في شعبة واد السباع، عندما كان مارا بعد المغرب بالشياه في طريق العودة، عندما لمح امرآة بلباس أبيض ..طويلة جدا.. تقترب منه قبل أن تختفي عن الأنظار بمجرد أن نبحت فيها الكلاب. ومرة عندما سمع أصوات سلاسل تتبعه وهو يدخل العين في الوادي ليغسل رجليه من وحل فصل الشتاء، استدار، فرأى رجلا يجر أغلالا وسلاسل. كان مجروحا ووجهه مهشم.. لكن غير واضح المعالم.. لم يكلمه فقط سمع أنات تألم وكأنه كان يطلب أحدا يفك قيوده.. هرب أخي وترك في العين زوادة بها خبز وتمر جاف وحذاءه. في الغد ذهبت معه واستعدنا ما تركه. تذكر هذه الحكاية وأعاد اليوم حكايتها على مسامع الأبناء.
أنا من جهتي، لست كثير التجارب في هذا المضمار، فقط حادثة واحدة وقعت لي وأنا في سن 17 أو 18 سنة، لما خرجت ليلا لآخذ بعض الحاجات أرسلها معي والدي لأخته المريضة وكانت تسكن غير بعيدة. مررت على مفرغ للزبالة لكي اختصر الطريق، وإذا بصوت طفل يصرخ تحت قدمي: آآآآآي…ظهري.. لم أعرف بعدها ما حدث لي. فقد وجدوني في حدود الواحدة ليلا، ملقى على قارعة طريق عربي ترابي ضيق بجوار المزبلة وفمي يسيل لعابا وأنا أهذي. أخذوني عند الطالب وقرأ علي تلك الليلة لمدة ساعة. قيل لي أني كنت أتكلم بصوت امرأة. هي أم الصبي الجني الرضيع الذي كان يرضع عندما وطأت له على ظهره وأنا أمر دون أن أقرأ “دعه يعمل دعه يمر”. ليلة كاملة من الحكايات حول نفس الموضوع. ولما قال الفجر الله أكبر وسار كل واحد فينا إلى مكان نومه، بقي الأطفال في أماكنهم خائفين من الذهاب إلى النوم، لاسيما الصغار. جاءت أختهم الكبرى من خلفهم ورفعت صوتها كصوت العفريت أو الجن لإفزاعهم: آآآآآآه…ما ترقدوووووش؟ فصرخ الجميع وطار كل واحد من مكانه.. وتلتها ضحكات في كل الاتجاهات. البنت الصغرى… هي .. نامت معنا..