الجيب المثقوب؟
لا يمكن تشبيه الانهيار الذي يعرفه سعر البترول وخاصة خام البرنت الذي فقد قرابة العشرين دولارا في الأيام الاخيرة، إلا بانتهاء صلاحية الحقن المسكّنة التي أخفت تأثير وآلام الأورام الاجتماعية والاقتصادية التي عانت منها الجزائر، منذ أن صار نموها يعتمد على البترول الذي يجري من تحت أرضها أنهارا، والجزائر التي افتخرت بكونها تلقت طلب استدانة من صندوق النقد الدولي، عليها أن تتذكر أن ذات الصندوق حذّرها في تقرير سابق من أن برامجها الكبرى ستكون مهددة بالإلغاء النهائي، إن نزل سعر البترول عن المئة دولار للبرميل الواحد.
وإذا كان من الجحود أن لا نُثمّن تخلص الجزائر من مخالب المديونية واجتهادها في حل الكثير من المشاكل الاجتماعية بالخصوص، فإنه في المقابل من الجبن أن لا نعترف بفشل كل هذه الاجتهادات لأن القضاء على المديونية الضخمة التي شلت البلاد منذ ربع قرن وجعلتها عبدا في مملكة صندوق النقد الدولي بعد انخفاض سعر البترول لم تتحقق إلا بأموال البترول بعد ارتفاع سعره، وحتى الاجتهادات الفاشلة للقضاء على البطالة وزرع البلاد بعمارات الإسمنت وشقّ الطريق السيّار، وبعث وسائل النقل المتطورة وزيادة مرتبات عمال كل القطاعات بطريقة ارتجالية فيها الكثير من الفوضى والقليل من التخطيط ما كان ليتحقق لولا أسعار النفط التي قاربت المئة وعشرين دولارا، قبل أن يعرف في المدة الأخيرة تراجعا مخيفا أبان أن الجيب المملوء بالنقود كان مخروما، ومملكة الأوهام التي بنيناها من أموال لا عرق فيها ولا فِكر مهددة بالانهيار .
ما يحيّر فعلا أن وزير الطاقة الكويتي، طالب بتخفيض إنتاج النفط قبل اجتماع أوبيك نهار أمس الخميس، ووزير النفط العراقي اقترح أن لا ينقص سعر النفط عن المئة دولار ولا يزيد عن المئة وعشرين دولارا، وأدلى كل وزير نفط بدلوه إلا وزارة النفط الجزائرية، التي بقيت كما كانت دائما كرسيا شاغرا في منظمة كل بلدانها جعلت نفطها جزءا من حياتها وجعلناه نحن الحياة كلها، فاستغلته لنموها فتحول الخليج إلى جنة نعيم، وتحولت إيران إلى بلد نووي وتحولت المكسيك إلى قوة تناطح جارتها الولايات المتحدة الأمريكية، وبقيت أموال بترولنا تُحرق في حاويات المنتجات الآسياوية المقلدة التي جعلتنا أمة مستهلكة نأكل ما يزرعه غيرنا ونلبس ما ينسجه غيرنا وننفذ ما يفكر فيه غيرنا.
لقد حانت ومازالت لمختلف التشكيلات السياسية فرصة اقتراح مشروع قومي يحرر الجزائر من استعمار “الذهب الأسود” الذي يُصعّدها ويُنزلها متى شاء، ولكنها بدت غير مهتمة وفاقدة للحلول مثل النظام الذي امتهن حلب أثداء حاسي مسعود وتجاهل الاستثمار في الإنسان فصارت أزمات البلاد تندلع مع انخفاض سعر النفط ونموه يرتبط بارتفاع سعر النفط، ولسنا ندري كيف سيكون حال البلاد في زمن لا نفط فيه؟
كما حانت ومازالت لمختلف الحكومات خاصة للوزير الأول الحالي، فرصا لأجل بعث مشروع الاستثمار في الإنسان الجزائري فكان دائما يتحدث عن العمر القصير جدا للنفط الجزائري، ولكنه قدّم دائما برامج استهلاك تبنّى فيها ما تحقق بأموال النفط وطلب من الشعب العمل بعد أن أغلق في وجهه المؤسسات وجمّد تفكيره حتى أصبحت دماء جسد الأمة آبار نفط إذا تعثر مسارها شلّ الجسد كله؟