الحرب الروسية الأوكرانية.. رهان جيوبوليتيكي سيغير الخارطة العالمية
احتضن قسم العلوم السياسية بكلية الحقوق والعلوم السياسية بجامعة بومرداس ندوة علمية هامة، حول الحرب الروسية الأوكرانية، التي تعد الحدث الأبرز دوليا في الوقت الراهن، وتناولت الندوة قراءة جيوبوليتيكية ودراسة لتداعيات العقوبات الغربية على موسكو وآثارها على الاقتصاد العالمي.
وفي مستهل كلمته تطرق الدكتور مسعود مطاطلة إلى أهمية التفريق بين مفاهيم الجيوبوليتيك والجغرافيا السياسية والجيواستراتيجية، وفي هذا السياق أكد مطاطلة أن الجغرافيا السياسية تدرس إمكانيات الدولة من الناحية الجغرافية وتهتم بدراسة الواقع في حين الجيوبوليتيك التي تعتبر كدراسة معيارية تهتم بما ينبغي أن يكون.
العقوبات الغربية على روسيا.. تداعيات ضئيلة على موسكو.. وأزمة غذائية تلوح في أفق الدول الفقيرة
وأضاف الدكتور أن قوة الدولة تقاس بالمقومات المكانية والبشرية التي تمتلكها وكيفية الاستفادة منها لخدمة المصلحة العليا للدولة، موضحا أن المساحة الواسعة والحدود تلعبان دورا في قوة الدولة أو ضعفها، واستدل الدكتور بشواهد تاريخية مثل دخول هتلر إلى هولندا في أقل من يومين، بالنظر إلى المساحة الصغيرة والحدود القليلة، مضيفا أنه كلما كانت الحدود قليلة كلما سهلت عملية اختراق تلك الدولة، واسترسل الدكتور قائلا بأن الطبوغرافيا أو التضاريس تلعب دورا هاما أيضا، فالدولة التي يغلب عليها الطابع الجبلي يكون من الصعب اختراقها.
أما بالنسبة للمقومات البشرية التي يساهم الإنسان فيها، فقد عددها الدكتور في النظام الاقتصادي والنظام السياسي، والموانئ والمطارات، والمواصلات والنقل، التي اعتبرها بمثابة مقومات يمكن أن تعوض النقص في المقومات الجغرافية.
وفي ذات السياق قال الدكتور مطاطلة إن المساحة الواسعة تتسبب للخصم فيما أسماه باجهادات العمق الدفاعي وتستنزف قواه، وهو ما ينطبق على روسيا التي تتربع على أكبر مساحة جغرافية عالميا، وعليه أوضح المتحدث أنه إذا كانت الجغرافيا السياسية تنظر إلى الرقعة الجغرافية كإطار، فإن الجيوبوليتيك تنظر إليها كرهان بينما الجيواستراتيجية تنظر إليها كمسرح للحرب.
كما عرج مطاطلة، على أهم النظريات المفسرة لظاهرة الصراع واعتبر أن “نظرية قلب العالم لماكيندر” تعد من أهم النظريات الجيوبوليتيكية المفسرة لظاهرة الصراع الحالي بين روسيا وأوكرانيا، فمن يسيطر على أوروبا الشرقية يسيطر على العالم وبهذا المعنى تصر روسيا أنها قلب العالم، معللا ذلك بأن روسيا وفق نظرية ماكيندر هي قلب الأرض.
وأبرز الدكتور مطاطلة أن سعي روسيا التي تملك مساحة جغرافيا واسعة للوصول إلى المياه الدافئة باعتبارها دولة مغلقة على المحيطات يجعل الحرب الحالية هي حرب بين قوى برية ممثلة في روسيا وقوى بحرية ممثلة في الناتو وحصيلتها لعبة صفرية، وهو ما يفسر مساع الغرب على مر التاريخ لمنع روسيا من التوسع البحري رغم امتلاكها الأسطول بحري يعد من أقوى الأساطير عالميا.
الدكتور مطاطلة، تطرق أيضا لوضع أوكرانيا الذي اعتبرها دولة حاجز بين روسيا وأوروبا إلى جانب بيلاروسيا، مؤكدا أن انضمام كييف للناتو يعتبر تهديدا حقيقيا لروسيا لأن حلف الناتو يصير على حدودها، وبالتالي هذه الحرب هي رهان بوليتيكي من موسكو سيعيد رسم المشهد العالمي.
من جهة ثانية تطرقت الدكتورة ليلى مدني إلى آثار العقوبات الغربية على روسيا وهدفه عزل بوتين وتقويض قطاع النفط والغاز الروسي الذي يحظى بحصة الأسد في السوق الأوروبية ويغطي احتياجاتها بنسبة تتجاوز 40 بالمئة، وتابعت الدكتورة قائلة إن العقوبات الغربية هي أداة من أدوات السياسة الخارجية، وباتت أمريكا تستخدمها بدلا من الدخول في الحروب.
وأوضحت المحاضرة، أن الحرب الأوكرانية الروسية ستزيد من وطأة الأزمات الاقتصادية في العالم، وتتسبب في ارتفاع مختلف السلع الغذائية خاصة بسبب سيطرة روسيا وأوكرانيا على ما يقارب من 30 بالمئة من سوق القمح العالمي، كما سيكون لها تداعيات أخرى متعددة خاصة بعد جائحة كورونا التي تسببت في انكماش الاقتصاد العالمي.
تواجد الناتو في أوكرانيا…تهديد مباشر على تخوم روسيا
وفي تدخل الدكتور عمار سعداوي، قال إن العقوبات الغربية ليست ذات أهمية كبيرة وأن هدف العقوبات هي استثارة الداخل الروسي، وأضاف الدكتور استنادا إلى دراسة جون ميرشايمر أحد رواد المدرسة الواقعية و الذي تساءل فيها: لماذا أوكرانيا هي غلطة الغرب عام 2014؟”، وقال إن تواجد الناتو على حدود روسيا هو معضلة كبرى، حيث أن توسع الناتو باتجاه الشرق وسقوط نظام الرئيس الأوكراني السابق الموالي لموسكو كان من مسببات رد فعل الروسي بدخول شبة جزيرة القرم، مضيفا أن سلوك حلف الناتو الذي يعتبر سياسته حمائية في مواجهة الدب الروسي، ترى فيه موسكو بالمقابل تهديدا وجوديا لها وانتقاصا من هيبتها ومكانتها الدولية.