-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الحريات في سجن البيروقراطية

عابد شارف
  • 3870
  • 0
الحريات في سجن البيروقراطية

لا تقتصر ممارسة الحريات على تقديم ملفات وقضايا بيروقراطية، ولا على وثيقة تسلمها الإدارة للمواطن لما يقدم ملفا لتأسيس حزب أو جريدة. إن الحريات أوسع وأعمق من ذلك، وهي تبدأ بقناعة الحاكم أن المحكوم له حريات يجب أن يمارسها، وأنه من واجب السلطة أن تضمن ممارسة الحريات لكل الناس، خاصة منهم أولائك الذين لا يتفقون مع الحاكم.

  • أما في الجزائر، وعشية المصادقة على قوانين جديدة تتعلق بالإعلام والأحزاب والانتخابات، فإن النقاش يدور حول الرخصة التي تسلمها الإدارة لصاحب حزب أو جريدة… وركز المحللون على ذلك البند في مشروع القانون الذي يؤكد أن الإدارة مضطرة إلى تسليم تلك الرخصة… ويقول أنصار السلطة القائمة إن تلك الرخصة تشكل تقدما ديمقراطيا كبيرا… أما النقاط الأساسية الأخرى، فإنها تبقى منسية تماما، ولا يتكلم “الخبراء” عن الواقع، الذي يشير جملة وتفصيلا إلى أن الحرية ليست محترمة وأن لا شيء في الأفق يشير أن الأوضاع ستتغير.
  • ويمكن أن نشير إلى بعض النقاط، أولها تتعلق بتلك الوثيقة الني تسلمها الإدارة للمواطن الذي يريد إنشاء جريدة، حيث أن قانون إعلام 1990 يؤكد على أن وكيل الجمهورية يسلم لصاحب مشروع جريدة تلك الوثيقة، لكن جرت العادة على أن وكيل الجمهورية لا يخضع لهذا الإجراء، ويكتفي بتسجيل الملف وتحويله إلى الأطراف المختصة التي لها صلاحيات الفصل في ذلك. وأصبح وكيل الجمهورية هو أول من يعتدي على القانون حيث يرفض تطبيقه. وإذا كان القانون لا يطبق في الماضي، ما الذي يضمن أنه سيطبق مع القوانين الجديدة؟
  • وتتعلق النقطة الثانية بقطاع السمعي البصري، الذي قيل عنه إنه سيعرف تفتحا في المستقبل القريب، وقال وزير الإعلام إنه من الممكن أن يتم ذلك خلال سنة 2012. لكن الواقع يؤكد أن قانون الإعلام لا يتطرق إلى قطاع السمعي البصري، وأنه يجب انتظار قانون جديد لهذا الغرض. ولا شيء يؤكد أن حكومة أحمد أويحيى مستعدة لدخول هذا الميدان.
  • وحتى إذا وقع ذلك، فإن السلطة تبقى تتحكم في كل كبيرة وصغيرة، حيث ستختار من سيكون له الحق في إنشاء قناة تلفزيون ومن له الحق في إنشاء حزب. وستسمح السلطة للأصدقاء والأحباب أن يفتحوا قنوات تلفزيون مثلما سمحت لهم بإنشاء جرائد وأحزاب. وستعرف الجزائر تعددية في قطاع التلفزيون مثلما عرفت تعددية إعلامية وحزبية: إنها تعددية لصالح الأصدقاء ومن لا يخرج عن طاعة السلطة.
  • وفي آخر المطاف، فإن السلطة ستبقى سيدة الموقف بفضل تحكمها في مصادر تمويل الإعلام والسياسة. وتتحكم السلطة في الإشهار الذي يشكل أكبر مصدر للثروة في الإعلام. ولا يستطيع صاحب قناة تلفزيون أن يواجه السلطة، لأنها ستقطع عنه العيش، خاصة أن الحكومة تتحكم بطريقة مباشرة في المؤسسات العمومية وبطريقة غير مباشرة في المؤسسات الخاصة، التي تستفيد من مساعدات كبرى للدولة. ويكفي أن نذكر مثلا أن لقاء الثلاثية الأخير قرر إلغاء أكثر من ملياري دولار من ديون المؤسسات الخاصة… ولا يمكن لصاحب ثروة في الجزائر أن يتعامل مع جريدة أو قناة تلفزيون تغضب الحكومة، مما يؤكد أن تفتح السمعي البصري سيقتصر على من تسمح لهم السلطة بالدخول في هذا العالم.
  • ويتضح من ذلك أن الأمور مضبوطة تماما، وأنه على الأصدقاء وأهل الولاء أن يستعدوا لجبل الغنيمة عند فتح قطاع السمعي البصري وكذلك لما سيمسح لهم بإنشاء أحزاب جديدة… أما التعددية الحقيقية وممارسة الحريات، فإنها قضايا لم تدخل الأجندة السياسية الجزائرية…
أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!