الحرية بالسقوف العالية
هذه التنظيمات والشخصيات والسلطات الرسمية من القيادات الفلسطينية فقدت مبرر وجودها منذ فترة، الشعب الفلسطيني في واد وهم في واد غيره، خاصة بعد السابع من أكتوبر 2023 وما تمخض عنه من وعي واستعداد للتضحية من قبل الأمة جمعاء.
على هذه الوجوه أن تستحي وتعتزل في بيوتها حتى يأتيها اليقين، بعدما تسرب من بعض قادة السلطة الفلسطينية طلبها من دولة جنوب إفريقيا سحب دعواها القضائية في محكمة الجنايات الدولية ضد الاحتلال الصهيوني بالإبادة الجماعية.
النصر أشكال وأنواع، منها العسكري ومنها غير ذلك، ولننظر إلى غزوة أحد حينما هُزم المسلمون كيف حوّل قائد الأمة (صلى الله عليه وسلم) الهزيمة إلى نصر معنوي لما خرج يطلب المشركين بحمراء الأسد ثم عاد إلى المدينة المنورة ولم يقاتلهم. ثم إن النصر العسكري وحده لا يقرر مصير المنتصرين، وثورة التحرير الجزائرية مثالٌ حي على ذلك، فلقد طردت القوات الفرنسية الغازية من هذه البلاد.
في قرارة نفسي لا آسف على من قتل ويقتل من أجل القدس ولو كان الشعب الفلسطيني عن بكرة أبيه، ما دامت الجنة تقول للشهداء: هل من مزيد، ويتمنى الشهداء أن لو يعودوا ليستشهدوا مرة وأخرى لما رأوا من كرامة لهم في الآخرة. علما بأن الشهيد حي يرزق، ولكننا-نحن المتمسكين بالحياة المادية- غافلون عن ذلك. وللتذكير، فإن قضية فلسطين هي القضية الأولى التي لا غبار على ما يُبذل فيها من تضحيات، ويقيني أنها لا تستحق مئة ألف أو مئتين، بل الملايين من الشهداء، لا من أهلنا الفلسطينيين وحدهم، بل من الأمة الإسلامية بأسرها.
الاحتلال وداعموه الغربيون ومن سار في ركابهم من الدول المشاركة في إدارة غزة أغبياءٌ إلى أقصى درجة، إذ كيف لهم أن يديروا قطاعا الأجنَّةُ فيه مشاريع استشهادية؟! وأنَّى لهم أن يتكلفوا المحال من الطلب، ورجال القطاع تجري في عروقهم روح الجهاد والفداء؟ إنه في أسوء الظروف سيعدُّ المقاتلون من حماس أنفسهم كحزب الله في لبنان، الحكومة المستسلِمة تدير شؤون العباد وهو متفرِّغ للمقاومة، بل ولديه قائمة “حمراء” بكل من يتعامل مع الصهاينة!
نحن على بعد آلاف الأميال من الأقصى الحبيب ونتنسم عطر الشهداء كل صباح ومساء. الاحتلال الصهيوني شوكة في حلق الأمة ولا بد أن يزال، ولقد طالت المعاناة ولا مفر من انهاء الاحتلال بأي ثمن من لحم الأمة الحي، وما أكثر عددها.
الاحتلال وداعموه الغربيون ومن سار في ركابهم من الدول المشاركة في إدارة غزة أغبياءٌ إلى أقصى درجة، إذ كيف لهم أن يديروا قطاعا الأجنَّةُ فيه مشاريع استشهادية؟! وأنَّى لهم أن يتكلفوا المحال من الطلب، ورجال القطاع تجري في عروقهم روح الجهاد والفداء؟ إنه في أسوء الظروف سيعدُّ المقاتلون من حماس أنفسهم كحزب الله في لبنان، الحكومة المستسلِمة تدير شؤون العباد وهو متفرِّغ للمقاومة، بل ولديه قائمة “حمراء” بكل من يتعامل مع الصهاينة!
“تقرير المصير” و”حرب الإبادة” من المصطلحات السياسية الحديثة التي كرَّستها الأمم المتحدة بإشراف الدول التي قسّمت العالم في ما بينها بعد الحرب العالمية الثانية. مرجعيتنا كمسلمين وصايا الرسول وسيرته الغراء، لهذا نحن لا نخلط الحابل بالنابل، غيرُنا هو من يفعل ذلك ولا يفرِّق بين كوعه وبوعه. من المهم أن نعلم أن حرية الشعوب لا تُنال بأدبيات السياسة الدولية بل بالأيدي المضرَّجة بالدماء. ولا يزال الطريق أمام الفلسطينيين طويلا لتحقيق استقلال بلادهم، ونسبة ثلاثة وسبعين ألفا من الشهداء إلى عدد الفلسطينيين في الداخل والخارج لا يتجاوز نصف الواحد في المئة، قدَّم الجزائريون ضعفه في يوم واحد، ثم قدَّموا على مذبح الحرية مليونا ونصفه هم ربع سكان البلاد آنذاك خلال حرب ضروس دامت أزيد من سبع سنوات.
لا ننس في خضم التنويه بحضور القضية الفلسطينية في الوجدان العالمي عبر تظاهرة كأس العالم لكرة القدم المقامة هذه الأيام، أنه لولا طوفان الأقصى -الذي كان الرافعة الحقيقية للقضية خلال هذه الفترة- لما نال الشعبُ الفلسطيني كل هذا التعاطف والدعم، ولتراجعت قضيته عن الاحتفاء العالمي بها كما كان ديدنها في الكؤوس الرياضية السابقة. المهم القول ها هنا إن فريضة الجهاد من أجل تحرير البلاد هي المفتاحُ الحقيقي لكل نصر، سواء أكان النصر عسكريا أم معنويا.
حتى ولو تأهل المغرب على كندا، بل وفاز بكأس العالم، فما الذي سيتغير في حياة المغاربة لتصبح لديهم دولة قوية مثل الكنديين؟ هذه لعبة أقرب ما تكون للهو منها للرياضة. هنالك مونديال كروي يجري الآن، يلعب فيه الكيان الصهيوني بالكرة الأرضية ويتمدد على أراضي المسلمين ونحن غافلون، ثم نهتاج أمام العالم لكرة جلدية منفوخة التصقت بشبكة من خيوط لا تساوي شيئا !فلنبدأ بما هو أهم، كما بدأ الأندلسيون لا كما انتهوا، وكما بدأ الصهاينة عليهم لعنة الله والناس أجمعين.
خامنئي وواجبات الملالي
ابن خلدون وصف العرب بأنهم لا يجتمعون إلا على دعوة من وحي أو ولاية، ولم يصفهم بالغلظة والأنفة هكذا بالمطلق. ولعل في ذلك سرا إلهيا استودعه الخالق في من يحمل رسالته إلى العالمين وعلى رأسهم صاحب الشفاعة، ألا يصلح لهم إلا هذا الأمر ولا يصلحوا إلا به، ولكي يبقى لهذا الدين حملة إذا ما انفضَّ الناس عنه، ومن أحسن حملا من العرب وهم أصحاب اللسان الذي به نزل القرآن؟ وعلى العموم فنمطُ الحكم الصالح للعرب مستوحى من دينه أيضا، وما الملَكية والجمهورية وغيرهما إلا بدعٌ سياسية طرأت على الخلافة الإسلامية بعد العهد الراشدي. مع التنبيه إلى عدم الزج بالنظريات السياسة الغربية كالعقد الاجتماعي في هذا المضمار، لأن الخصوصية الثقافية حاضرة بقوة في هذه النقاشات.
خصائص الشخصية الإيرانية، أقصد الفارسية التي اعتنقت التشيع بعد فترة من دخولها الإسلام أول مرة، تطبعت عبر الزمن بطباع التّقية والتكيف مع الظروف بحسب المعطيات لتحافظ على كينونتها، واختزنت في طباعها الساسانية بكل ما فيها من استعلاء وهمة، وزادها السعي للاكتساب عبر مخالطة الشعوب في طرق التجارة التاريخية حسّا بقصر العلاقات النفعية، وكل تلك الأغلفة الطبعية تتلاشى في لحظة شعور بالحرية وخلو الساحة لها من دون الآخر، لتظهر هذه الشخصية الاستثنائية على صورتها الحقيقية.
“من عاش بالسيف بالسيف يمُت”، وبين سيف وسيف فرقٌ يفرق. إيران في عهد الراحل علي خامنئي سهَّلت على الولايات المتحدة احتلال أفغانستان والعراق، وتمددت هي في بلاد إسلامية واسعة لا حاجة لها فيها عبر التوسُّع، ثم اصطدمت بالواقع وبمن سهّلت لهم وسهّلوا لها، وتفانوا ولا يزالون.
أرجو من الله أن يهدي ملالي إيران إلى سداد الرأي، فالأمة كثيرةُ العدد والعدة، وبلادها مترامية الأطراف، ولها عقيدتها ومذاهبها الموروثة من العهد النبوي ولا مجال للتغيير ها هنا؛ لذلكم، تستدعي السياسة الشرعية من قادة إيران أن يكونوا سندا لكل من يريد إقامة الإسلام في الأرض بغضِّ النظر عن مذهبه، وستجد الجمهورية الإسلامية من هؤلاء نعم العون على دفع الصائل، ونعم الأخ في إقامة الوحدة الإسلامية.