-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
كومندو جمال .....العودة إلى الونشريس

الحلقة الأولى: صمود الونشريس

الشروق أونلاين
  • 4949
  • 4
الحلقة الأولى: صمود الونشريس

كتبت في الحلقات السابقة أن كومندو جمال بعد أن أنجز مهمته في الولاية السادسة عاد في أوت 1959 إلى الولاية الرابعة ولايته الأصلية وعند وصولنا إلى المنطقة الثالثة كان علينا أن نلتحق بأعضاء مجلس الولاية لأبلغهم بسير المهمة في الولاية المذكورة طيلة نحو سبعة أشهر.

 

قابلت الرائد سي صالح وسي محمد بتكادرت وكانا يومئذ في مهمة مراقبة. لقد أصبح مجلس الولاية يتكون من مسؤولين اثنين فقط منذ استشهاد سي محمد في 5 ماي 1959 . قدمت أمامهما عرضا مطولا ضمنته تفاصيل جميع مراحل إقامتنا بالولاية السادسة والأحداث التي تخللتها قبل الإجابة عن أسئلتهما العديدة.

وقد هنأ الرائدان سي صالح وسي محمد الكومندو على العمل المنجز في الولاية السادسة وعودته منها إلى قواعده بالمنطقة الثالثة من الولاية الرابعة بأقل الخسائر رغم مسيرته الطويلة . 

وقبل الانصراف أمرني سي محمد ان أجوب المنطقة دشرة دشرة حتى يشاهد سكانها الكومندو من جديد بهدف تفنيد مزاعم دعاية العدو الذي كان يبث في مناشيره أثناء غيابنا أن عساكره تمكنوا من إبادة  الكومندو عن آخره. 

شرعنا في جولتنا انطلاقا من الناحية الثانية بعد أن استكملنا تعداد الكومندو بضم عناصر من الكتيبة   الحسنية” تعويضا لخسائره أثناء المهمة.

كنا ونحن نمسح الناحية الثانية نتوقف بين الفينة والأخرى. توقفنا في بني بوعطاب- بالنحاحلة – بني بو ستور- مليانة – تافرنت – بوعظم وفي عدد من القرى الأخرى. لم يكن السكان يخفون سرورهم برؤيتنا من جديد.

ودخلنا الناحية الأولى قلب الونشريس عبر طريق “موليار” (برج بونعامة) – “اورليان فيل” (الشلف) فلقينا نفس الحماس والاستقبال الحار الخالص اينما نزلنا في الاربعاء – اولاد المبان – العرايس – اتشوالب – اولاد علي – سيدي عماره – الخبابزة – اسفيات – اسولات….الخ.

كان الجنود والمسلحون وسكان القرى يعبرون عن سعادتهم برؤية كتيبتنا من جديد. وكان وجودنا بينهم يبعث فيهم نخوة واطمئنانا. كان العديد من جنود الكومندو ينحدرون من الأماكن التي نتوقف بها فكنا نمنحهم رخصا لزيارة ذويهم مع قليل من النقود.

كانت سنة 1959 شديدة على سكان المنطقة الذين عاشوا خلالها أياما قاسية جدا. كانت أسوأ فترات الحرب. فحيثما مررنا كنا نلاحظ اثار هوج جيش العدو ومخلفاته. فقد ارتكبت آلة الحرب الفرنسية مجزرة حقيقية في حق الإنسان والطبيعة: قرى دمرت وأخرى أخليت من سكانها غابات محروقة…

لقد عبأ الجيش الفرنسي وسائل ضخمة بدافع رغبة جامحة في القضاء على الثورة الجزائرية تجلت في ترسانة مذهلة من العتاد بهدف إبادة كتائب جيش التحرير وتدمير قلاعه وإخضاع سنده من السكان….إنه مخطط شال الشهير أو الهجوم الأكبر الذي قرره الجنرال “دوغول”. لقد تم تجنيد 50 ألف رجل من وحدات النخبة والاحتياطي العام تدعمهم الطائرات والمروحيات يزحفون كآلة كاسحة من الغرب الى الشرق من حاجز حدودي إلى آخر. تمسح في طريقها جميع الولايات الواحدة تلو الأخرى.

بدأ الهجوم من الولاية الخامسة بالقطاع الوهراني بعملية ” كورون” (6 فيفري إلى 6 أفريل 1959) . وامتد إلى الولاية الرابعة بعملية “كوروا” (18 افريل إلى 18 جوان 1959) التي مست الونشريس وجبال وسط البلاد.  فقد كان الجنرال شال يتبجح بأنه شق بالونشريس 200 كلم من المسالك وأقام 36 مركزا عسكريا.-1-

و قد واصل تطبيق مخطط شال الذين خلفوه لاسيما الجنرالين “كريبين” و”غامبياز” ليشمل الولايات الأخرى – “الشرارات”- في الحضنة و- “جومال” – في الولاية الثالثة و”الحجارات الكريمة” في الولاية الثانية -2-….الخ.

رافقت هذه العمليات مخططات واسعة لترحيل السكان وتجميعهم بالقرب من المراكز العسكرية في محتشدات حقيقية حيث يعاني المهجرون إليها يوميا الجوع والبرد والشتائم والإهانات والأمراض….الخ.

و تم الإعلان عن مناطق محرمة تغطي أراضي شاسعة يتعرض للموت كل من يتجرأ على دخولها.

وتلى زحف وحدات النخبة مرحلة أخرى من مخطط “شال” تتمثل في تأسيس وحدة أو أكثر من قناصة الكومندو، وهي وحدات خفيفة حسنة التدريب محنكة في مختلف حيل وخدع الحرب الثورية يقودها ضباط فرنسيون لكن أغلب عناصرها من “الحركى” أو الجنود المستسلمين….ومهمتها الرئيسية البحث عن وحدات جيش التحرير واكتشاف المخابئ ومراكز القيادة ومتابعة أعوان الاتصال وجمع المعلومات الخ. إنها “رؤوس كاشفة” عن اتصال دائم بالقطاع العسكري وتستفيد من دعم القوات المحلية المرابطة به. فما أن يكتشف هذا الكومندو وحدة لجيش التحرير أو يشتبك معها حتى يسارع الجيش الفرنسي بنجدته بالمشاة والطيران ومختلف أنواع المدد الذي تنقله المروحيات.

وتحمل وحدات قناصة الكومندو التي كانت تقترف جرائمها بالونشريس حيث تصدى لها جيش التحرير مرات عديدة تحمل أسماء “غيوم” -3- و”موريس” و”توري”.

لكن الونشريس ظل صامدا يقاوم ببسالة رغم ضخامة وسائل العدو. حقا ألحقت هذه العمليات خسائر بجيش التحرير مثل السكان الذين كانوا عرضة للقصف القاتل المتكرر من الطيران ومع ذلك تمكنت قرى كثيرة من تجنب شباك المخطط حيث أعاد السكان بناء ديارهم ومخابئ للثوار الأمر الذي يسر عملية بعث تنظيم جبهة التحرير الوطني مرة أخرى.

وقد اضطرت مقاومة الونشريس قيادة جيش الاحتلال إلى معاودة الكرة في صائفة 1960 بشن عملية كبرى أخرى باسم “سيغال” (الصرصور- 24 جويلية 24 سبتمبر1960).

وبعد جولتنا بالناحية الأولى التحقنا بالناحية الرابعة. وفي عمرونة التقينا مرة أخرى مع سي محمد الذي كلف كومندو جمال بمهمة جديدة تتمثل في تنفيذ عمليات فدائية ومهاجمة المراكز الحضرية، فضلا عن ضرب معسكرات العدو في العديد من نواحي  المنطقة جبالها وسهولها. وكان هدف هذه العمليات تخفيف ضغط العدو على معاقل الثوار بالجبال.

اخترنا للقيام بهذه العمليات العناصر التي تعرف الميدان جيدا وشكلنا لذلك ثلاثة أفواج حسب الأهداف المحددة وهي “ماربو” (برج الأمير خالد) – ثنية الحد- وادي الفضة _ “اورليازفيل”( الشلف)- “دوبري” (عين الدفلى). كان على كل فوج أن يحدد بالتنسيق مع المسؤولين المحليين عددا من الأهداف ويقوم بمهاجمتها وتنفيذ عملياته.

أما أنا وبقية عناصر الكومندو فقد اعتصمنا “بطعم السماء” في قمة تطل على سد عقبة مالي- وادي الفضة- في انتظار عودة الأفواج الثلاثة.

وقد اغتنمنا فرصة هذه الاستراحة لتكوين مصلحة استعلامات بقيادة السعيد بوراوي وكانت مهمتها مساعدة الكومندو على تحديد أهدافه العسكرية بالاعتماد على شبكات المسؤولين المكلفين بالاستعلام ضمن مجالس النواحي والأقسام واستغلال المعلومات المقدمة من شبكات المناضلين.

و تجدر الاشارة في هذا الصدد ان كتيبتنا أصبحت تتمتع بقدر من الاستقلالية منذ عودتها الى المنطقة الثالثة _أوت 1959- فمسؤول التموين بها احمد الصغير- احمد مبارك- كان يؤدي مهمته على الوجه الأكمل فقد كان يحرص على تزويد المراكز التي نستريح فيها بمخزون من المؤونة الضرورية وكان كثيرا ما يسبقنا الى هذا المركز أو ذاك لتحضير قدومنا…لم نكن في تنقلاتنا بحاجة الى دليل لمعرفتنا التامة بالمسالك التي يتعين علينا السير فيها وذلك أن العديد من عناصر الكومندو ينتمون إلى قرى ومداشر الناحية. لقد كان واجب اليقظة يملي علينا هذا النمط من التنظيم والعمل.

علم العدو بعودة الكومندو فأخذ يحاول من خلال عمليات التمشيط الحصول من المدنيين على ما أمكن من المعلومات حول تحركاتنا ووقفاتنا حتى يتسنى له اكتشافنا وتحديد موقعنا بهدف شن عملية ضدنا.

وكانت السرية هي سلاحنا الأول لخلط حسابات العدو فضلا عن حركتنا الكبيرة.

وكانت طريقة عملنا محل تحفظ اثنين من مسؤولي المنطقة الثالثة هما سي الطاهر- الملازم الأول السياسي – وبوعلام – الملازم الأول العسكري. فعبرا عن مشاعرهما في تقرير إلى مجلس الولاية الذي دعاهما بكل بساطة الى ترك حرية المبادرة للكومندو ورجاله.

قبل مغادرة موقعنا في “بطعم السماء” اشتبكنا في آخر النهار مع كتيبة للعدو طيلة نصف ساعة تقريبا دون أية خسارة في صفوفنا.

وفي سبتمبر 1959 أكد مجلس الولاية تعييني على رأس كوموندو جمال برتبة ملازم.

وبينما كنا في الناحية الأولى التحقت بنا الأفواج التي أرسلت لتنشيط الكفاح المسلح في ضواحي المراكز الحضرية وفي السهول بعد تنفيذ عمليات كلل أكثرها بالنجاح.

وفي أكتوبر الموالي عسكر الكومندو في أولاد المبان إحدى قلاع جيش التحرير الوطني وقد وضع نصب عينيه هدفا محددا: المركز العسكري بالناحية.

.

الهوامش

1الجنرال شال في كتابه “انتفضنا”

2انظر الخارطة

3طالع مساهمات الكاتب السابقة في يوميتي “ليبرتي” من 23 الى28  جويلية 2012.  و”االشروق” ابتداء من 30 جويلية 2012

 

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
4
  • بدون اسم

    التاريخ الثوري الحقيقي موجود عند الشاوية ولقبايل

  • الطاهر

    يا هذا لو لم تكن هنالك معارك وتضحيات في الغرب الجزائري كما تتهم به كاتب المقال فحل الثورة الجزائرية لسهلا على فرنسا ان تعطي الشرق الجزائري وتحتفظ بالغرب لنفسها دون عناء .
    فلى ترفع صوتك امام المجاهد فكأنك ترفعه امام نبيك .....

  • محمد المجاجي

    السيد مراد، أنت جد مخطئ، فالونشريس وجبال الظهرة قلعة حصينة من قلاع ثورة التحرير، ولعبت دورا كبيرا في مقاومة الاحتلال، فهناك ممن أعرفهم في دوارنا من فقد 4 أفراد في البيت الواحد. إذا لم تكن مقاومة في الجهة الغربية فلماذا انسحبت فرنسا منها رغم غنى المنطقة؟ لا تكن جهويا ومتحيزا... وكن جزائريا صادقا لا تميز بين جهة وأخرى، فكلنا سواسية و الشهداء شهداء الجزائر وليسوا شهداء منطقة بعينها. مع تحياتي

  • mourad

    اعادة كتابة التاريخ بالفانطزية ,,اراه ملء فراغ و فقر المنطقة الغربية للتاريخ الثوري و معارك و بطولات حقيقية ها انتم تملؤون الفراغ بخزعبلات لن يصدقها احد ,,