الحوثيون يؤدّبون الاحتلال
ليس سهلا أن يستهدف أيّ بلد عربي أو إسلامي الاحتلال الصهيوني بفلسطين المحتلّة بالصواريخ والطائرات المسيّرة، فالجميع يعرف أنّ ردّ فعل الاحتلال وحتى الولايات المتحدة وبريطانيا ودول كبرى أخرى سيكون شديدا أليما ولا رحمة فيه.. في سنة 1991، تجرّأ الرئيس العراقي الشهيد صدّام حسين على ضرب تل أبيب بـ26 صاروخا، فكان ذلك أحد أسباب الغزو الأمريكي لبلده في 2003 وإسقاط حكمه وشنقه. لذلك، لم نر بلدا واحدا يغامر ويضرب الاحتلال نصرة لغزة، حتى إيران لم تفعلها إلا مرتين مكرهة.
لكنّ جماعة “الحوثيين”، التي تقود اليمن منذ 2014، فعلتها بلا خوف أو وجل، فهي تضرب الكيان منذ نحو 13 شهرا بالصواريخ والمسيّرات، ولا تكترث بالغارات الصهيونية والأمريكية والبريطانية العنيفة التي تستهدف قواعدها، وكذا محطات الكهرباء والوقود والموانئ اليمنية.
المسألة إذن لا تتعلّق بالتسليح الواسع والمتطوّر بقدر ما ترتبط بالعقيدة والقناعات، و”الحوثيون” الأحرار الشّرفاء مقتنعون أنّ الوقوف موقف المتفرّج من مذابح غزة المستمرّة منذ أزيد من 14 شهرا، هو ذلّ ومهانة وجبن لا يمكنهم تحمّله، بل هو خذلان ونذالة واستسلام، لذلك، بادروا منذ نوفمبر 2023 إلى استهداف السفن الصهيونية المارّة بالبحرين الأحمر والعربي بالصواريخ والمسيّرات، وحينما تكفّلت الولايات المتحدة بالردّ عليهم نيابة عن ربيبها الصهيوني، وأنشأت تحالفا بحريا من عدّة دول غربية لضرب اليمن، وسّع “الحوثيون” دائرة الاستهداف لتشمل كلّ سفينة تحمل مؤنا إلى الكيان، وهاجموا عشرات السفن وأجبروا شركات ملاحة عالمية على تغيير مساراتها والمرور عبر رأس الرجاء الصالح، ما سبّب لها وللاحتلال خسائر مادية جسيمة، ولم يكترث “الحوثيون” بالضربات الجوية الأمريكية والبريطانية المستمرة التي تستهدف اليمن دفاعا عن الكيان، فهم يعرفون تماما أنّها معركة ينبغي أن تقدّم فيها الكثير من التّضحيات وهم مستعدّون لدفع ثمن إسناد غزة، مهما كان باهظا.
في الأيام الأخيرة، كثّف “الحوثيون” ضرباتهم لتل أبيب ويافا وأدخلوا الصّواريخ فرط الصوتية إلى الخدمة بدعم فاعل من إيران، ووصل عدد من الصواريخ إلى أهدافها بدقّة وخلّفت دمارا في بعض المباني وعشرات الإصابات بين المستوطنين، وفي كلّ مرة، كانت تدخل مليوني مستوطن إلى الملاجئ، وهي نتيجة لا يستهان بها بعد أن توقّفوا عن الهروب إليها منذ هدنة 26 نوفمبر مع “حزب الله” بلبنان.
ما يثلج الصّدر أكثر في الضربات الصاروخية الأخيرة لـ”الحوثيين”، أنّ الاحتلال اعترف بعجز طبقاته الدّفاعية الصاروخية كلّها عن التصدّي لها، وفتح تحقيقا لمعرفة أوجه القصور والخلل في هذه المنظومات التي أنفق عليها ملايير الدولارات، وروّج لها على أنّها من بين الأفضل في العالم، وبدأ يعرض بيعها على “حلفائه” المهرولين وأصدقائه في العالم، ولكنّ في الأخير تبيّن أنّها تعاني ثغرات كبيرة أمام صواريخ تقطع ألفي كيلومتر لتصل إلى أهدافها، ما يضرب سمعة “القبة الحديدية” و”حيتس” و”مقلاع داوود” الصهيونية في الصّميم، وقد يدفع دولا عديدة إلى الإحجام عن اقتنائها.
وبذلك، يفسد “الحوثيون” على قادة الاحتلال النّشوة التي غمرتهم في المدّة الأخيرة إثر إجبار “حزب الله” على تفكيك وحدة السّاحات ووقف قصف مستوطنات الشّمال، وكذا سقوط نظام الأسد الذي طالما وفّر مسلكا برّيا آمنا للأسلحة الإيرانية الموجّهة للحزب، فضلا عما يردّده الاحتلال من إضعاف قدرات المقاومة في غزة.. هذه النّشوة أفسدها “الحوثيون” كلّيا بصواريخهم التي أضحت تصل إلى أهدافها بدقّة، فلا يجد الاحتلال من وسيلة للردّ سوى قصف الموانئ ومحطات الكهرباء والوقود للتنفيس عن غضبه وتهدئة ملايين المستوطنين المذعورين، فهو يعرف أنّه ليس لـ”الحوثيين” ما يخسرونه، كما أنّ المسافة بعيدة ولا يمكنه خوض حرب معهم إلا بمساعدة أمريكية وبريطانية وغربية كبيرة.
من بركات “طوفان الأقصى”، أنّه حوّل اليمن إلى دولة مواجهة مع الاحتلال برغم بعد المسافة، وعدم وجود حدود بينها وبين فلسطين المحتلّة، وبرغم الفقر وضعف الإمكانات، ألم نقل إنها مسألة إرادات وشعور بواجب نصرة المستضعفين في غزة وفلسطين؟
لقد أعادت عمليات “الحوثيين” بعض العزّة والأنفة للأمّة بعد الانكسارات الأخيرة لمحور المقاومة، بخروج “حزب الله” من المواجهة، وسقوط نظام الأسد، وانكفاء إيران على نفسها، وانفراط عقد وحدة الساحات… فمنذ نوفمبر 2023، ضرب “الحوثيون” الكيان بـ202 صاروخ و170 مسيّرة، ومع أنّ هذه الضربات لم تجبر الاحتلال على وقف حرب غزة، إلا أنّه بالمقابل عجز عن صدّها، كما عجزت ضرباته الجوية عن ردع “الحوثيين”، وهو فشل مزدوّج حمل المراسل العسكري لـ”معاريف”، آفي إشكنازي، على القول: “علينا أن نقول بصوت عال: (إسرائيل) غير قادرة على مواجهة تحدّي “الحوثيين” من اليمن، لقد فشلت في مواجهتهم”!