الدرس الإيرلندي
يقول المؤلف والفيسلوف الإيرلندي الشهير برنارد شو الذي توفي عام 1950: “نصف المعرفة أكثر خطورة من الجهل”، وقد تكون مشكلتنا أننا نعرف من وسائل التكنولوجيا والترفيه، ومن أسباب الراحة فقط نصف أشيائها، لأجل ذلك لعبنا الكرة بأقدامنا فقط ولم نجعلها وسيلة لتقديم أنفسنا كبلد حضارة وورثة للرسالة الخالدة التي قال عنها الإيرلندي برنارد شو: “لو تولّى العالم الأوروبي رجل مثل محمد لشفاه من علله كافة”.
ولسنا ندري لماذا نتفرج هذه الأيام على مباريات كأس أمم أوربا ونُبقي أبصارنا مركّزة على المستطيل الأخضر بنصف المعرفة، فنأخذ من لعب الآخرين، ولا نأخذ من “جِدّهم”، فالدرس الراقي الذي قدمه الإيرلنديون لا يمكن أن نحصل عليه حتى ولو لعبنا بطولات محترفة وصرفنا الملايير وشاركنا على الدوام في كأس العالم، الإيرلنديون هم شعب يعشق الكرة كما يعشقها كل البريطانيين، ويسافرون مع منتخب بلادهم كما يفعل كل الأوروبيين، ولكنهم يناصرون منتخب بلادهم حتى ولو كان مهزوما غير قادر عن الحركة، ففي مباريات المنتخب الإيرلندي الذي خرج من الدور الأول بدون أدنى نقطة، كان الفريق في مواجهاته الثلاث مهزوما ومع ذلك كانت أناشيد إيرلندا التي تتحدث عن عظمة البلد وعن إنجازاته وتاريخه تدوّي أكثر من أناشيد الكرواتيين والإسبان والإيطاليين الذين كانوا فائزين على المنتخب الإيرلندي، ونقل المناصرون الإيرلنديون عادات بلدهم من ألبسة وعادات وصور، ورافقهم فنانون تشكيليون وموسيقيون إلى درجة أن البولونيين والأوكرانيين قالوا أن مهرجانا إيرلنديا وأسبوعا ثقافيا شهدته أوربا الشرقية، تم خلاله التعرف على تاريخ وحاضر إيرلندا ومستقبلها أيضا مادام مشجع الكرة البسيط تمكن من أن يلعب دورا مازال سفراؤنا في الخارج وحتى الوكالات السياحية عاجزة عن تقديمه، ولن نقول مشجعي الكرة عندنا.
كل تلفزيونات العالم نقلت الصورة الجميلة لآلاف الإيرلنديين وهم خاسرون برباعية ضد اسبانيا وثنائية ضد ايطاليا، وهم كرجل واحد يتغنون بعظمة وجمال بلدهم، كلهم كانوا متيقنين بأن لاعبي منتخبهم بذلوا أقصى ما يمكنهم من جهود، وكلهم لم ينسوا بأن منتخب بلدهم تأهل للنهائيات عندما عجزت بلدان أكبر من بلدهم، ففشل المنتخب الإيرلندي من دخول دور ربع النهائي، ولكن نجحت إيرلندا من دخول قلوب العالم بأسره عبر درس مجاني قدمته على المباشر فأدخله الإنجليز والروس والألمان والهولنديين في مقرراتهم التشجيعية الكروية وبقي عندنا مشهدا عابرا وفقط.
قد نكون أمة نلعب في وقت الجد، فلا تهمنا خسائرنا التكنولوجية والاقتصادية والثقافية، ونجدّ في وقت اللعب فتصبح هزيمة كرة بالنسبة لنا نهاية العالم، لكن الطامة أن لا نأخذ من الدروس التي تقدم لنا من أناس ومنهم الإيرلنديون الذين يفتخرون ببرنارد شو الذي منحهم جائزة نوبل في الأدب وأوسكار السيناريو، ونبقى نمثل الوطنية فقط في لحظة الفوز الكروي ونتجاهلها في حياتنا عموما، نعود إلى الكاتب برنارد شو الذي قال: “لا أفهم لماذا يرغب الإنسان بالتمثيل على خشبة المسرح، بينما لديه العالم كله ليمثل فيه”، وهو الذي قال أيضا عن رسولنا الكريم: “لو تولى رسول الإسلام أمر العالم لوُفّق في حل مشكلاتنا بما يُؤمّن السلام والسعادة التي يحلم بها البشر”.
هذا ما قاله أعظم رجالات إيرلندا وهذا ما فعله الجمهور الإيرلندي؟