الرأي

الذين يعملون والذين يأكلون

محمد سليم قلالة
  • 2403
  • 0

بدل أن تدفع بنا الأزمة المالية الحالية إلى طرح الأسئلة الصحيحة حول حالنا اليوم وغدا، نكاد نتّجه الوجهة غير الصحيحة في هذا المجال بطرح مسائل تتعلق بأساليب الإبقاء على الوضع القائم في مجال الاستفادة من الريع البترولي، ولو كان ذلك بدرجات متفاوتة ومن غير عدل.

بدل أن نطرح مشكلة: هل كنا على صواب أم لا في مجال العيش عالة على البترول؟ وكيف فقدنا قيم العمل والإنتاج والاعتماد على الذات؟ وكيف اكتسبنا طباعا غير لائقة في مجال كسب المال واستهلاكه، بل وتبديده إن على مستوى الفرد أو الجماعة.. ها نحن اليوم، وكأننا لا نتعظ ولا نفهم الإشارات الحاملة للمستقبل، ننتظر من قانون المالية 2016 أن يُبقي على الوضع القائم في مجال الأجور ودعم الاستهلاك وتوزيع الريع البترولي، ولا حديث عن كيفية تصحيح المسار والسياسات والآليات التي أوصلتنا إلى هذا الحال، لا حديث عن فقداننا لأكبر ثروة نمتلكها وهي ثروة العمل، ولا لأكبر احتياطي استراتيجي قمنا بتبديده وهو شبابنا القادر على تجديد هذه الثروة، وكأننا نريد اليوم أيضا حلا مؤقتا يدوم سنة أو بضعة أشهر، وبعدها ليكن ما يكون. وكأن مشكلتنا هي كيفية توفير المواد الأساسية للسنة المقبلة بأسعار مقبولة وبعدها ليحدث ما يحدث، وكأننا قد حققنا انجازا عظيما إذا لم نرفع الدعم عن بعض المواد، أو أبقينا الأجور على حالها، وأبقينا على البيت بسقفه الحالي…

الواقع يقول إن مشكلتنا هي أعمق من هذا، إنه علينا أن نطرح الأسئلة الصحيحة مثل: لماذا لم نعد نعمل؟ لماذا لم نعد نُنتج؟ بل لماذا أصبحنا نعاقب الذين يعملون ونكافئ الذين يأكلون؟ ولماذا يتمكن الذي لا يعمل من تصدّر المواقع الأولى على حساب الذي يعمل، إن في قطاع الخدمات أو الانتاج والاستثمار وحتى في قطاع السياسة وفي مستوى اتخاذ القرار؟ لماذا يقود غير العاملين العاملين؟ ولماذا نُمكّن من لا يعمل من قيادة من يعمل وأحيانا بالسماح له بالسيطرة عليه وإهانته ومعاقبته؟

مشكلتنا تكمن في هذه القيم المقلوبة في مجتمعنا، والمكرَّسة بالقانون أحيانا، وليست في أسعار الخبز والزيت المدعمة… وقانون المالية ينبغي أن يقوم على إعادة الاعتبار لقيمة العمل ابتداء، قبل أي حديث آخر، والبدء بطرح السؤال الأول في هذا المجال: هل يعمل الوزراء؟ وهل يعمل من بيدهم القرار؟ أم يأكلون فقط؟ الإجابة الصحيحة هي وحدها التي يُمْكِن أن تَصنع الأمل.

مقالات ذات صلة