الربيع الإداري؟
يحدث أن تسأل نفسك: كم فصلا في السنة الجزائرية؟ وكم فصلا في اليوم الجزائري؟ وهل فصل الربيع موجود بينها؟، ويحدث أن يسألك الغير: لماذا يتحامل بعض قادة الأحزاب الجزائرية على الثورات العربية بـ”صهينة” الربيع العربي؟ وهل للجزائر ربيع خاص بها؟.
ربما لا تجد إجابة وافية ومقنعة خارج “أحداث 5 أكتوبر 1988م”، وإذا سئلت: لماذا لا يقيم أنصار الحزب الفائز أعراسهم احتفاء بالنصر؟ قد تتردد في الإجابة خوفا من تكرار تداعيات تشريعيات 26 ديسمبر 1991م.
الناخب والرئيس
من حقك أن تمتنع عن الإجابة على السؤال التالي: هل الناخب الجزائري يصوت لرئيس الجمهورية أم لرئيس الحزب أم للحزب وبرنامجه؟، لأن الإدارة رفضت وضع صور رؤساء الأحزاب على قوائم المرشحين مما جعل إحدى العجائز بتيزي وزو تطلب صورة الرئيس بوتفليقة للانتخاب عليه، وعندما لم تجدها طلبت صورة رئيس حزب آخر فلم تجدها فرفضت أن تدلي بصوتها.
إن في الجزائر حزبا واحدا هو الإدارة، فهو الحزب الذي ينظم الانتخابات، ويشرف عليها، ويعلن نتائجها، ويقيم أفراحها أو أتراحها، وتتقرب منه الأحزاب لعلها تحصل على حصة تفرحها، وتعمل دائما على إرضائه حتى تضمن بقاءها ولغته هي الفرنسية، وعندما ظهر الربيع البربري عام 1980م احتوته الإدارة وحوّلته إلى ربيع غير بربري، وحتى عندما فاز الإسلاميون عام 1990م بالانتخابات التشريعية وجدوا الإدارة في انتظارهم لاحتوائهم، فالإدارة هي التي سنت قانونا أوصل الإسلاميين إلى السيطرة على البلديات، وحين غيرته مكنتهم من الوصول إلى عتبة البرلمان، ففي تشريعيات 26 ديسمبر 1991م حصلت جبهة التحرير الوطني على أكثر من مليون ونصف من الأصوات مقابل 16 مقعدا، في حين أن جبهة الإنقاذ حصدت 188 مقعدا مقابل ضعف أصوات جبهة التحرير الوطني (أكثر من ثلاثة ملايين صوت) أما جبهة القوى الاشتراكية التي نالت أكثر من نصف مليون صوت فقد فازت بالمرتبة الثانية بـ(25 مقعدا)، إن هذا التناقض ما بين المقاعد والأصوات المعبر عنها هو الذي تكرر في تشريعيات هذا العام، بالرغم من أن قانون الدوائر الانتخابية المعمول به عام 1989م في نظر البعض مهم لأنه يمثل الأغلبية النسبية (50٪ +1) وهو مستخدم في الدور الأول والثاني ولا يختلف عن قانون الانتخابات الرئاسية الفرنسية.
أرادت الإدارة الجزائرية أن تقصي الأحزاب التي أجبرت على اعتمادها (بعد 12 سنة من الغلق) بحيث منحت لها الفرصة للمشاركة في الانتخابات في فترة قصيرة تتراوح بين أسبوع وشهر، وهي مقتنعة بأن هذه الأحزاب الجديدة لن تحصل على 5٪ التي تمكنها من الفوز بمقاعد في البرلمان وفق الفقرة الثانية من المادة 85 التي تنص على ما يلي: “لا تؤخذ في الحسبان عند توزيع المقاعد القوائم التي لم تحصل على 5٪ على الأقل من الأصوات المعبر عنها”.
والحقيقة التي لا يدركها الكثير هي أن إرادة الشعب غير مجسدة قانونيا، فالمجلس الدستوري يمكنه سحب الثقة من أي عضو منتخب فالمادة 51 من قانون تنظيمه تقول بالحرف الواحد: “يمكن للمجلس الدستوري أن يطلب من الجهات المختصة موافاته بملفات المترشحين الفائزين بالانتخابات بغرض التأكد من استيفائها الشروط القانونية واتخاذ قرارات بشأنها”.
البعض وصف ما حدث في الجزائر بما حدث في عهد حسني مبارك قبيل الثورة المصرية، والبعض الآخر ادعى بأن السلطة فوتت فرصة الربيع الجزائري، وفريق ثالث قال إنه ربيع مؤجل، وحتى المعارضون لعبد العزيز بالخادم زعموا أن التصويت لم يكن لحزب جبهة التحرير وإنما لصالح الرئيس بوتفليقة.
والحقيقة الأولى هي أن الإدارة وهي تحتفل بالذكرى الخمسين لميلاد (الدولة الجزائرية) وليس لاسترجاع السيادة الوطنية ستحتفل بربيعها الإداري، ذلك أن وجود 250 شارعا ومؤسسة بالعاصمة تحمل أسماء أشخاص أساؤوا للجزائر لم ينتبه اليها من قاموا بحملتهم الانتخابية في العاصمة، ولو نبهوا سكان باب الوادي إلى وجود 20 منها عندهم لما كان للإدارة تأثير في الانتخابات.
والحقيقة الثانية هي أن الرئيس إذا لم يعين بلخادم وزيرا أولا ولم يقل الحكومة الحالية فإنه سيمكن المعارضين له في جبهة التحرير من الإطاحة به، ويفوت الفرصة على اعتماد دستور شبه رئاسي وبذلك يعطي مصداقية للمشككين في النتائج.
والحقيقة الثالثة هي أن الجزائر لم تعد حاضرة في جميع المجالات حتى في الوطن العربي، فالإصدار الرابع لنادي دبي للصحافة الذي حمل عنوان “نظرة على الإعلام العربي” لم يتعرض للإعلام الجزائري بالرغم من أنه تقرير أكاديمي يغطي فترة 2011 – 2015 فهل يعود ذلك إلى أن أساتذتنا في دول الخليج لم يشاركوا فيه أم لأن السلطة الجزائرية لم يعد يعنيها مستقبل الجزائر العلمي؟.
إن الربيع الإداري سيكون كارثة على الجزائر لأنه حول الأحزاب والعمل السياسي والإعلامي إلى مجرد ديكور لأصحاب القرار.