الرأي

الرياضة في إفريقيا.. إذا فسدت السياسة فسد كل شيء!

كثر حديث المختصين والإعلاميين هذه الأيام، تزامنًا مع تنظيم “كان 2025″ عن فساد البطولات الكروية والرياضية بشكل عام في إفريقيا، بسبب الفضائح التحكيمية التي أفقدت المنافسات شرعيتها الرياضية، حيث بات معلومًا لدى الجميع تحكّم المال القذر و”لوبيّات” الكواليس في مخرجات اللعبة وقرارات “الكاف” عمومًا في كل الاستحقاقات التنظيمية والكروية.
الوضع وصل إلى درجة مكشوفة من القذارة وعدم الحياء في ضبط نتائج المباريات وتوجيه الألقاب والانتخابات الرياضية في كل مناسبة، وفق تحالفات مالية تكون فيها الأصوات والحكّام وقودُ المزاد المفتوح، وما تشهده فعاليات كأس إفريقيا الأخيرة في المغرب من انزلاقات تحكيمية مفضوحة خير دليل على ذلك، في انتظار النهاية التي قد تقلب الطاولة على جميع المتواطئين.
ما يحدث في مستوى الرياضة الإفريقية ليس غريبًا على قارة ينخرها الفساد عبر معظم أقطارها، من السياسة والدبلوماسية إلى المال والاقتصاد والمعاملات الأجنبية، بل إنه إذا عرف السبب بطل العجب!
إفريقيا التي لا تزال تلملم جراحها من آثار الاستعمار الأوروبي، لم تنجح حتى الآن في التأسيس النهائي لمنطق الدولة المؤسساتية المستندة إلى شرعية الإرادة الشعبية المطلقة واستقلالية القضاء والتمييز بين السلطات في ممارسة الحكم، بل إن كثيرا من بلدانها، رغم بروز موجة الوعي المضادة لـ”الكولونيالية”، تئنّ تحت وطأة التدخلات الأجنبية في قرارها الداخلي، خاصة من طرف المُستعمِر القديم، عبر أدوات نفوذه التاريخية .
لذلك، ما تشهده الرياضة الإفريقية وباقي القطاعات المنهكة بالفساد، هو نتيجة طبيعية وتلقائية للفساد السياسي الناجم عن ضعف الشرعية الانتخابية وفقدانها تمامًا في كثير من الأحيان، ولا يمكن الآن التطلع إلى إصلاح السقف العلوي، بينما الأسس القاعدية مغشوشة البناء، بل وجب تغيير الواقع بمنطق سليم، وفق قاعدة الهرم المتدرج.
إفريقيا التي عصفت بها الحروب الأهلية والمعارك القبلية والعشائرية والانقلابات العسكرية وتنازعت عليها شركات النهب الدولية وحكمَها قادة وكلاء عن الاستعمار، لم تفلح حتى الآن، بالنسبة لمجموعها الغالب على الأقل، في التخلص من حقبة التطاحن على السلطة والاحتكام إلى معايير الدولة الحديثة، أين تسود الشفافية والقانون والحوكمة الرشيدة وتعلو قيم الحساب والمساءلة أمام الجميع، كما يغدو الأفراد مواطنين محفوظي الحقوق، لا مجرد رعايا وسكان تحت سلطة مركزية تسوسهم بالقوة والإكراه.
هذا الواقع الذي تنعدم فيه شرعية أهل السلطة في إفريقيا هو ما يدفع بهم إلى البحث عن أدوات تأمين البقاء في الحكم بكل الطرق غير المشروعة، طالما أنها تحقق لهم الغاية المرجوة، وفق تصوّرهم الخاص، وعلى رأسها رهن ثروات البلد لمراكز القرار الدولي، تجنّبا لتدخلها في شؤون البلاد، تحت مسميات حقوق الإنسان والتزام الديمقراطية واحترام القانون الدولي وغيرها من الذرائع الجاهزة، بينما ترتكز الأنظمة الشرعية على جبهاتها الداخلية المعبّرة عن إرادتها الجماعية، ولا تقع أبدا تحت المساومات الخارجية.
ومن تلك الآليات الأخرى لتجاوز معضلة الشرعية، هو البحث عن مشروعية إنجازات وهمية، بمُلهيات الكرة والرياضة، لتخدير الوعي الجمعي عن الأزمات الحقيقية التي تعصف بالعمق الإفريقي، تحت وطأة الفقر والتسلط والحرمان من الرفاهية والحياة الكريمة!
وفي سبيل ذلك، ترعى الأنظمة الفاسدة سياسيا فساد الرياضة للتعويض والتغطية عن مساوئها أمام الشعوب، حيث تحرّض ممثليها في الهيئات الكروية على ممارسة الفساد المالي ودفع الرشاوى، لأجل تحقيق مخططاتها السلطوية.
ما يجري هذه الأيام في الدورة الإفريقية بالمغرب من فضائح هو أحسن تجسيد لما ذكرناه، حيث لا يخفى على أحد حال القصر المخزني المترهّل، بفعل غياب محمد السادس تمامًا عن إدارة شؤون المملكة منذ سنوات، واستحواذ مراكز الفساد والدوائر الصهيونية على زمام القرار الملكي، والصراع شبه العلني على خلافته بين أقطاب العائلة المسنودة من جهات متناقضة المصالح.
هذا الوضع الخطير يجعل من النظام المغربي يراهن كليّة على دورة الكرة الإفريقية لربح مزيد من الوقت، في مواجهات الغضب الشعبي والاحتجاجات الملتهبة منذ أشهر طويلة، بل سنوات مديدة، في ربوع المملكة، على الأقل منذ ديسمبر 2020، عقب الجهر بالتطبيع الشامل مع الكيان الصهيوني، قبل أن تتراكم الأزمة بفواعل الاحتقان الاجتماعي، الاقتصادي.
لذلك، يرى العقل المدبر داخل المخزن في الكرة آخر القلاع التي قد يحتمي بها مؤقتا في مواجهة العواصف الشعبية، وقد تكون فرصته المواتية لترتيب نقل هادئ للعرش إلى وليّ العهد الصغير، في ظل الزخم المصطنع.
صحيح أن بعض القادة الأفارقة ما فتئوا منذ سنوات، يرافعون داخل الهيئات الإفريقية، وعلى رأسها الاتحاد الإفريقي، ضمن الآليات المتعمدة والأطر القارية، لصالح الانتقال الديمقراطي والحكم الراشد والتحرر الوطني، لكن المشوار ما يزال طويلا وشاقّا أمام شعوب ونخب إفريقيا في الوصول إلى تلك المرحلة المنشودة، والبداية لن تكون إلا عن طريق الإصلاح السياسي الفعلي، لأنه المدخل المنهجي الوحيد لتغيير الواقع السيئ في كل القطاعات.

مقالات ذات صلة