-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الرَّحم الأطلسية للإرهاب والإرهاب المضادّ

حبيب راشدين
  • 2527
  • 4
الرَّحم الأطلسية للإرهاب والإرهاب المضادّ

وصف الأمريكيون حادث أورلاندو كأخطر حادث إرهابي تتعرَّض له الولايات المتحدة منذ أحداث 11 سبتمبر، مع استماتة أوباما و”آف بي آي” في إبعاد التهمة عن تنظيم “الدولة” رغم صدور تبنِّي شبه رسمي على لسان وكالة “أعماق” التابعة للتنظيم، وكأن الولايات المتحدة لا تريد أن تعترف له بالقدرة على نقل المعركة إلى أراضي الولايات المتحدة.

حوادث إطلاق نار سابقة نُسبت إلى أمريكيين من أصول إسلامية كانت الإدارة الأمريكية قد تسرّعت في إلحاقها بالتنظيم، لكن الحادث الأخير الذي شكَّل خرقا أمنيا غير مسبوق، لا يستقيم مع الخطاب المهيمن القائل بقرب تصفية التنظيم في معاقله في العراق وسورية، ويُفسد على إدارة أوباما تسويق ما يتحقَّق من تراجع ميداني لنفوذه وتمدُّده كثمرةٍ لجهود التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة.

محاولة إبعاد التُّهمة عن “داعش”، يُعرِّي رغبة غربية خفيَّة في حرمان التنظيم من الاستثمار عن بُعد في العنف المتنامي في مجتمعاتها، خاصّة بين أبناء الجاليات المهاجرة التي قد تستهويها شعاراتُه، وهي تحتلّ اليوم إعلاميا فضاء الغضب الذي هجرته التنظيمات اليسارية المتطرِّفة، وقد تستعير من التنظيم أساليبه العنيفة وخطابه المعادي لمعظم النُّخب الحاكمة في العالم.

الأزمات القاتلة التي تعرفها دول المركز الرأسمالي تركت على قارعة الطريق الملايين من المعدمين، أكثرهم من الجاليات المهاجِرة حديثا، أو من الجيل الثاني والثالث، لا يشكِّل المسلمون منهم سوى نسبةٍ صغيرة، كما يشهد الغرب تنامي مشاعر الغضب عند فئةٍ واسعة من الطبقة المتعلِّمة التي لم تعُد تتحمَّل عبث الحكومات الغربية الساقطة تحت الهيمنة الصهيونية المستهتِرة، واستكبار قوى الأوليغارشية المالية، وتخشى كثيرٌ من الحكومات الغربية أن ينشأ أكثر من مسمى لـ”داعش” على أراضيها، ينتقل بهم من حالة العنف الفردي المتأصِّل في المجتمع الغربي، إلى عنفٍ جماعي قد يستغلّ استفحال الفقر والإقصاء، وتنامي التصحُّر الروحي والمسخ الأخلاقي، ليذهب بهم نحو عنفٍ منظم يستهدف مدناً كاملة هي اليوم في حالة إفلاس مثل مدينة شيكاغو.

ما لا يقوى الغرب على إنكاره أن مئات العمليات الإرهابية التي شهدتها مدنُه منذ أحداث 11 سبتمبر، إنما نُفِّذت من الداخل على يد مواطنين غربيين، تربّوا ودرسوا في مجتمعات ليس فيها سلطان لما يقال إنه فكرٌ إسلامي متطرِّف، كثيرٌ منهم خدم أو كان في الخدمة العسكرية أو الأمنية، كما كان منفِّذ عملية أورلاندو يعمل حارساً لمحكمة أمريكية، وإذا ما استثنينا ما يجري في العراق وسورية، فإن الدول الغربية شكّلت في العقد المنصرم الحاضنة الأولى لتفريخ الإرهاب، ومصدره الأول بالنظر إلى مشاركة الألوف من الأوروبيين ومواطني الإتحاد الروسي في معارك الشام.

ولأن نفس الأسباب تولِّد نفس النتائج، فإن ظاهرة “القاعدة” و”داعش” لم تكن وليدة فكر إسلامي متطرِّف بقدر ما كانت وليدة ظلم متطرِّف، وحيثما يوجد التطرُّف في الظلم والإقصاء، يلزم النخب أن تتوقع ظهور تطرُّف مماثل له في القوة معاكس له في الاتجاه، كيفما كانت الراية العرقية أو الطائفية التي يرفعها من وقع عليه الظلم.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
4
  • معاذ هشام

    حرب على الاسلام و فقط و من خلال الاعلام، المخلوق هذا لا علاقة له بأخلاق المسلمين حسب تعريف الاعلام له، ثم كم من آلاف الجرائم في أمريكا لا يتكلمون عنها ، ثم كم من مسلم مجرم مقارنة مع عدد المسلمين كلهم و مقارنة مع مجرمي بقية الملل و أولها جرائم حكوماتهم

  • عبدالحميدالسلفي

    السلام عليكم.
    مهما كان الظلم فعلى المؤمن التريث والسعي لمرضاة الله بالعودة الى العلماء الربانيين-ورثة الأنبياء- وعدم السعي وراء العواطف.
    لأن المدقق في كثير من الأعمال التي تمت -للأسف- بأيدي المسلمين,إنما تمت بإيعاز من مخابرات محاربة للإسلام وفق تخطيط محكم.فالمدبر وراء الستار والمنفذ مسلم مظلوم متهور.
    قال الله تعالى:"يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى"

  • عنبر

    أمريكا بلد مشهور بالمجرميين والقتل الجماعي البارد الذي لا علاقة له بالدين ولا بالسياسة ولا حتى بالمافيا - هكذا مجازر غالباً ما تكون حالات خاصة محصورة في القاتل نفسه كونه مضطرب عقليا ، هذا كل ما في الأمر، و بخوص داعش لو أرادت أمريكا أن تقضي عليه يكفيها أن تجند المجرمين الذين يقبعون في سجونها مقابل حريتهم ، هذا سيوفر عليها خسائر و تكاليف هي في غنى عنها ...

  • الطيب

    مشكلة الغرب و على رأسه أمريكا أنه يصنع الفعل بإعاز و إملاء من الصهيونية و وشايتها خاصة على العالم الإسلامي و لكن عند ردود الأفعال على فعله يستنكر بشدة و يُهيج العالم بكل ما أُوتي من قوة الإعلام ! قضية أورلاندو هي قضية أمريكية داخلية لها علاقة بمنظومة اجتماعية بحتة مثلها مثل الكثير من القضايا المشابهة اليومية تقريبًا ( الإختلاف في عدد الضحايا فقط ) و هذا النوع من القضايا قد يحدث في أي بلد آخر و لكن الصهيونية تصوره أنه عمل إسلامي إرهابي منظم فلابد من تجيش الجيوش على المسلمين !!