-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

السودان من التفتيت إلى الصوملة

سهيل الخالدي
  • 2102
  • 0
السودان من التفتيت إلى الصوملة

في الثمانينات حين نجح البشير وعرابه حسن التهامي في انقلابه على المهدي والاستيلاء على السلطة، كتبت إن هذا الانقلاب لن يجلب أي خير على السودان رغم شعاراته الإسلامية، وكان ذلك سِباحة مني ضد التيار؛ فمعظم المحللين الإعلاميين العرب رحبوا به، وهاهي العقود تمر والجنرال البشير لم يقدم للسودان سوى الأسوأ.

 استقل السودان عام1956 وصار اسمه جمهورية السودان، بعد أن كان يعرف باسم السودان المصري الانجليزي لوقوعه تحت الإحتلال المصر ي زمن محمد علي ثم

الإحتلال الإنجليزي كتحصيل حاصل لوقوع مصر تحت الإحتلال الإنجليزي، ولأن العرب لايحتلون ولا يستعمرون بعضهم؛ قام جمال عبد الناصر بالاتفاق مع النخب السياسية السودانية وأعلن استقلال السودان، وظل السودان يحكم حكما مدنيا إلى أن قام الجنرال إبراهيم عبود بالاستيلاء على السلطة عام1964 لكن الشعب السوداني رفض حكم العسكر، وقام بأول ثورة في العالم الثالث ضد حكم العسكر حتى أسقط الجنرال عبود .. وظلت الحياة السياسية في هذا البلد العربي الشاسع نزاعا بين العسكر والمدنيين حتى جاء عمر حسن البشير وعرابه التهامي الذي تعلم  الدين الإسلامي في أمريكا رفقة القرضاوي؛ جاء في ثمانينات القرن الماضي فتشبث بالسلطة ولايزال حتى هذه اللحظة، وهو يجابه حراكا شعبيا واسعا.

 لم يتمكن البشير وحزبه حزب جبهة الإنقاذ الإسلامي من حل أية مشكلة في السودان مثله مثل الذين سبقوه من عسكر ومدنيين، بل إن مشاكل السودان زادت وتعمقت، فانتهت الديموقراطية، وربما ليس بإمكانها أن تعود، وانتهت الحرب مع جنوب السودان إلى انفصاله دون حل المشكلة التي لاتزال قائمة، وتحركت مشاكل أخرى مع النوبيين وغيرهم من الإثنيات والقبائل السودانية العديدة، ولم يعد السودان الذي كان أملا في التنمية العربية، حيث كان يعتبر سلة غذاء العرب، وأساء نظام البشير إدارة التنمية حتى داهمت المجاعات بعض المناطق، وأساء التعامل مع النفط الذي تفجر في عهده كنعمة إضافية، وأكثر من ذلك راح يفتح بلاده لجماعة بن لادن وأوجد بذلك مشاكل أضافية لبلده، وحين أراد أن يتقرب من الغرب راح يسلم المناضل

.

  العالمي كارلوس إلى فرنسا.. في صفقة لم تكن ذات مردود

للخرطوم.. لقد حارب البشير في كل الجبهات وضد كل الاتجاهات، وكما كان القذافي يقول “طز في أمريكا” قال البشير أمريكا تحت حذائي … ظنا منه أن الجماهير  المقموعة ممكن أن تكون بديلا للعقل السياسي في حماية الحاكم أو الحكم، وهو ظن  يوحي بأن البشير لم يقرأ المنفلوطي الذي ترجم أو أعاد صياغة الترجمة لرواية يوليوس قيصر، في وقت مبكر من القرن العشرين، فالدهماء التي هتفت ليوليوس قيصر هتفت لقاتله صديقه بروتس..

كما توضح أنه لم يستفد من التغيرات في الوطن العربي التي حدثت في النصف الثاني من القرن العشرين وحتى الآن، فهاهو السودان بعد أن تفتت، وصارت مناطقه عبارة عن مشاريع دول يخطط لقيامها، وجميعها مخترقة من إسرائيل وأمريكا وسائر الدول المعادية للسودان والعرب والمسلين والإسلام؛ يقف على أبواب الصوملة، حيث جيرانه الصوماليون يقتل بعضهم بعضا منذ عقدين وأكثر.

 

 وتبدو الصوملة في السودان ضرورية للغرب هذه الأيام أكثر من أي وقت مضى، فالسودان أحد أهم دول حوض نهر النيل المطلوب قطعه عن مصر.. والنظام المصري في هذه الأيام أضعف نظام حكم مصر منذ القرن التاسع عشر، وهي فرصة كبيرة  لتكمل إسرائيل ودول الغرب مجتمعة من أن تمضي قدما في تعطيش مصر عبر ما يسمى سد النهضة في الحبشة، ومن تخبطات البشير الدالة على أنه يعمل خارج العقل السياسي المعاصر عدم جدوى تحالفاته، لا مع إيران ولا مع بعض دول الخليج العربي فمعظم هؤلاء الحلفاء تخلى عنه علنا أو سرا، ولأنه قام كغيره من الحكام الديكتاتوريين العرب من إفراغ المشهد السوداني من القوى السياسية القادرة على إنقاذ السودان وتوحيده، فإنه لايمكن توقع أي سيناريو يريح السودان سياسيا، بعد البشير، والشعب السوداني لايزال يدين بالولاء الشديد للطرق الصوفية مثل  الختمية والمرغنية والمهدية والسنوسية.. وهؤلاء إذا تقدموا للحكم لن يكون مصيرهم أفضل من مصير جماعة الإخوان في مصر، إلا إذا استسلموا بالكامل للطروحات  الأمريكية – الإسرائيلية، وهو أمر يؤثر كثيرا على شعبيتهم ويعيدهم إلى موقف  أفضل منه موقفهم في المعارضة، والمدهش في المشهد السوداني أن القوة السياسية التي لم يتمكن النظام من تصفيتها هي حزب البعث، وهو حزب يدين بالولاء لصدام حسين.. وبالتالي فإنه يحجم عن التقدم نحو السلطة لأنه يعرف أن المشكلات التي أبقاها البشير وتلك التي أوجدها.. تحتاج إلى حلول يمكن إيجادها خارج السلطة.. فقد تعفنت السلطة في السودان في جميع مستوياتها وفي جميع أجنحتها.. بحيث أن الصوملة هي مصيرها جميعا ..لذلك فالسلامة هي في الابتعاد عن السلطة جملة وتفصيلا .. وهاهو البشير يجلس على قدر يغلي بماء الصوملة.. تزيده مياه الفيضانات وتشرد السودانيين غليانا فوق غليان، وتشعل نيرانه أسعار الوقود التي لايجد النظام غيرها لإبعاد الإفلاس الذي ينتظر النظام الذي من المؤكد أن رئيسه غير قادر على العودة إلى الإمارات التي جاء منها في الثمانينات، فالرمال في أبي ظبي لم تعد هي الرمال.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!